لهنّ فيها أجساما . ثم يتجاوزن السماء إلى أجسام أقرب إلى الأرض بقدر ما يباعدن في سيرهنّ نزولا . فمنهنّ اللواتي يبتعدن من السماء ويصلن إلى الأجسام في الأسافل ، ومنهنّ اللواتي يخرجن من جسم ليدخلن في جسم آخر . فهؤلاء نفوس ليس لديهنّ من القوة / ما يضمن لهنّ الارتقاء من هذا العالم لشدة ثقلهنّ ونسيانهنّ . ما أكثر ما يجررنه مما اعتراهنّ ، وهو الآن يعييهنّ بعبئه . أمّا ما بينهنّ من اختلاف فإنه عائد إلى اختلاف الأجسام التي كنّ قد دخلن فيها ، وإلى حظوظهنّ ، وإلى نوع غذائهنّ ، أو إلى أنهنّ يحملن معهنّ ما يفرّق بينهنّ ، أو إلى كل ذلك معا أو إلى بعضه . فمنهنّ فئة تخضع كل ما / لديها للقضاء المقدّر لهذا العالم ، وفئة تفعل كذلك تارة وطورا تكون هي صاحبة أمرها . وبينهنّ الطائفة التي تستسلم أفرادها راضية إلى ما لا بدّ من احتماله ، لكن بوسعها أن تستأثر بأعمالها الخاصة فتحيا مقيّدة بسنّة أخرى ، وهي السنّة التي تشمل الحقائق كلها . وليت شعري ، إن نفوس هذه الطائفة يخضعن لهذه السنّة وينقدن بذواتهنّ لها على أنها سنّة من طراز آخر . / وهي تخرج منسّقة من المعاني الكامنة في هذا العالم ومن شبكة الأسباب كلها والحركات النفسانية والقواعد الثابتة في العالم الأعلى . إنها مع الروحانيات على توافق ومن الروحانيات تأخذ أصولها ، فتصل بين هذه الأمور وبين ما يكون متأخرا عليها . تحفظ ، ثابتا على حاله لا يتزعزع ، كل ما بوسعه أن يحتفظ بذاته متمثلا بما يلازم الروحانيات حالا . أمّا ما كان على غير ذلك ، فإنها تسوقه إلى ما من شأنه أن يكون عليه / فطرة وجبلة . ومن ثمّ فإن سبب الهبوط إنّما كان كامنا في الأمور التي هبطت ، لأنها كذلك يجب فيها . ومن ثمّ أيضا جعل بعضها في هذا العالم ، وأقام بعضها في العالم الأعلى .
16 أما العقاب الذي يحلّ بالأشرار في هذه الدنيا قسطا وعدلا ، فيليق به أن يردّ إلى ذلك الحكم الذي يسيّر كل شيء على الوجه الذي يجب . ولكن ما يقع على الصالحين بغير قسط وعدل ، مثل القصاص أو الفقر أو المرض ، أيقال عنه حتما أنه وقع غالبا لذنب سلف ؟ فإن هذه الأمور داخلة في شبكة عامة ولها عليها دلالات ، / فيبدو وقوعها لازما عقلا . أو فلنقل إنها لا علاقة لها بمعاني الكون ، ولم تكن كامنة في متقدّماته ، بل إنها من هذه المتقدّمات بمثابة ظواهر تتبدّى في جوانبها . فإذا تقوّض البيت مثلا قتل الحيّ الذي تحته لا محالة مهما كان النوع الذي ينتسب إليه . أو إذا انطلق سائران أو سائر بحركة منتظمة حطّم من وقف في الوجه / أو سحق . أو أنّ ما يبدو لنا ظلما ليس شرّا لمن يصاب به إذا ما نظرنا إلى ما في تشابك بعض الكل ببعضه من خير ومنفعة . بل ربما لم يكن ظلما وكان له من سوابقه ما يبرر وقوعه . فلا ينبغي في الأمور أن يعتقد أن منها ما يندرج في النظام الكلي ، ومنها ما يفلت منه ويترك للتحكّم الذاتي .
وإذا لم يكن بدّ لتوالي الحوادث في الكون / من أن يتمّ مقيّدا بأسباب وبمعنى واحد وترتيب
تاسوعات أفلوطين — صفحة 320
مساهمون: أفلوطين
ص٣٢٠