لم تأت النفوس طوعا ، كما أنهن لم يرسلن مكرهات . وإذا كانت الطواعية فأقلّ ما يقال فيها آنذاك هو أنها ليست طواعية تتمّ عن تخيّر . بل إنها كالطفرة الفطرية في شهوة النكاح الغريزية ، / أو هي كالميل إلى عمل الصالحات ، حيث لا تكون الحركة بدافع التروّي والتفكير بل بالقضاء يقدّر فيه للشيء المعيّن وجهه الذي يوجد عليه : فلما كان من هذا النوع وجوده في وقته الحاضر ، ولما كان من نوع آخر في وقت آخر . والروح ذاته ، وهو قبل العالم ، إنما هو مقيّد بقضائه . يحكم عليه بالبقاء في العالم الأعلى ، ويقدّر له القدر الذي يبعث به إلى عالمنا ، فيبعث الفرد الجزئي خاضعا لسنّة شاملة لا تبديل فيها . / فإن هذه السنّة الشاملة ثابتة لدى كل فرد فطرة وجبلة ، ولا يستمدّ حكمها قوة تنفيذه من الخارج . بل الواقع هو أنه جعل كامنا في الذين يعملون به ويحملونه بين جنبانهم . فإذا حان وقته تمّ مراده آنذاك عن يد الذين تنطوي جبلتهم عليه . ويعني ذلك أنهم هم الذين يجعلونه نافذا ما داموا يحملونه بين جنباتهم / ويسعهم أن ينفذوه لأنه هو مقيم فيهم . فكأنه يضغط عليهم بثقله ويولّد فيهم رغبة ودفعا لينطلقوا إلى حيث يدعوهم الأمر المستكن فيهم وكأنه يدفعهم دفعا .
14 فإذا تمّ كل ذلك كثرت الأنوار في عالمنا وازدهى بالنفوس وازداد رونقا على رونق . فإنه آنذاك يتلقّى عوالم جديدة ، فعالم يخرج من عالم ، وتأتي كلها من الأرباب الروحانيين ومن الأرواح التي تمدّ الأمور الأخرى بنفوسها . ولعلّ هذا هو التأويل الأصح للأسطورة التي ورد / فيها خبر « بروميتوس » بعد أن كوّن المرأة في جبلتها ، فسوّاها الآلهة الآخرون حسناء متناسقة .
فهذا يجبل الطين الرطب وينفتح فيها صوت الانسان ويجعلها في منزلة الربّات . و « افروديتوس » تخلع عليها شيئا وربّات الحسن شيئا آخر ، وهكذا من كل إله هبة . فكان اسمها في أصله « الهبات » التي جاءتها من « كل » الذين وصلوها بها « پنردور » . أي لعمري ، إنّ الآلهة كلهم أجزلوا العطايا لذلك الجبل الذي خرج من بين أيدي بروميتوس الذي يجسّد « العناية » . /
وتقول الأسطورة أن اپيميتوس ( أعني التروّي والتفكير ) رفض عطاء بروميتوس : فما ذا يعني هذا إلّا أنّ إيثار الروحانيات بنوع خاص إنّما هو الخير لنا ؟ ثم إن الصانع ذاته ، بروميتوس ، مكبّل بقيود لأنه لا يزال على شيء من الاتصال بما أنشأه . على أن قيودا من هذا النوع إنما يؤتى بها من الخارج . ثم إن هرقلس هو الذي يفكّها ، مما يدل على أن لدى المقيّد قوة يسعه بها أن يتحرّر من قيوده . / ومهما كان الوجه الذي تؤول القصة عليه ، فإنها تطلعنا على أمر العطاء الذي وصل إلى هذا العالم ، وهي على توافق تام مع ما سبق لنا .
15 إن النفوس ينطلقن منحدرات من العالم الروحاني إذا فينتهين أولا إلى السماء فيأخذن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 319
مساهمون: أفلوطين
ص٣١٩