تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
واحد ، وجب الاعتقاد في هذا النظام المشترك وفي هذا التشابك المحكم أن يشمل الأمور كلها حتى أصغرها وأحقرها شأنا . فالظلم الذي يحصل من إنسان نحو غيره هو جور في حق فاعله ، ولا يفك صاحب الذنب من ذنبه . ولكنه إذا نظر إليه مندرجا في الكل فليس ظلما آنذاك حتى في حق / من أصيب به ؛ بل كذلك كان يجب في الأوضاع أن تكون . ثم إذا كان المصاب به من أصل البرّ والصلاح جاءه الخير في النهاية لا محالة . فإن هذا النظام الكلي إنما هو ربّاني ، وبالقسط يتمّ ، ولا يجب أن نعتقده على خلاف ذلك . بل الرأي الصحيح فيه هو أن يلتزم الدّقة في توزيعه لما يليق به أن يوزّع . ولكن أسبابه خفيّة ، فتفتح أمام الجاهل باب التذمّر والشكوى . / 17 إن النفوس إذا خرجن من العالم الروحاني حللن أوّلا في منطقة السماء إذا . وهذا أمر بوسعنا أن نستدلّ عليه مما يلي . إذا كانت السماء خير ما في العالم الحسي ، فإنها في الجوار المباشر لأواخر حدود العالم الروحاني . فلا غرو إن كانت الأجسام السماوية أول ما ينعش بالنفس وما ينال من هذا الإنعاش نصيبه ، على أنها أشدّ من غيرها استعدادا للواقع . / أما الجسم الأرضي فهو في المقام الأخير من هذا القبيل : حظه من النفس أقل وعلى ذلك فطر ، كما أنه أبعد من غيره عن المنزّهات . فإن النفوس تشعشعن في السماء إذا ، وكأن ما يوزّع منهنّ عليها هو القسط الأوفر والأول ، بينما يصل الأشياء الأخرى ما بقي منهنّ ضياء . أما اللواتي يغصن في انحدارهنّ ، / فإنهنّ يوزعن نورهنّ في الأسافل بخاصة ، ولكن ليس من الخير لهنّ أن يبالغن في النزول ؛ فالأمر حينئذ مثله في مركز حوله هالة من نور تشعّ منه ، وحولها دائرة ثانية ، والكل نور من نور ، ثم يلي هاتين الدائرتين دائرة أخرى خالية من النور : إنها دائرة لا يشعّ منها النور قطّ ، وهي في حاجة إلى أن تستنير بغيرها . / فلنفترض الآن أن هذه الدائرة بشكل حلقة أو بالأحرى بشكل كرة تستمدّ نورها من الدائرة الثانية ، لأنها تجاورها ، وهي مضيئة بقدر النور الذي يصلها . أما النور الأعظم فإنه لا يتحرّك ، بل يشعّ وينبعث منه الإشعاع في حدود معناه . وتشعّ معه الأنوار الأخرى أيضا ، فمنها ما لا يتحرّك ومنها ما يفيض فيجذب ببريق الأشياء التي انتشر عليها من نوره . / وإذا انتشر النور في هذه الأشياء ازداد اهتمام النفوس بها . فمثلهنّ آنذاك مثل الربّان في سفينته وقد هبّت العاصفة من حولها . يبالغ الربّان في عنايته بسفينته فيغفل عن أنه ينسى ذاته بذلك . فيؤدّي به الأمر غالب الأحيان إلى أنه لا يكاد يهلك بهلاك سفينته . / وكذلك القول في النفوس : فإنهنّ يبالغن في انعطافهنّ مع ما لديهنّ في ذواتهنّ . ولا غرو بعد ذلك إن انتهى الحال بهنّ إلى أن ينحبسن ويصبحن مقيّدات بروابط سحرية وهنّ مستغرقات في الاهتمام بأمور هذا الكون . إن الحيوان الجزئي ليس على مثل ما هو العالم الكلي عليه . أعني أنه ليس جسما كاملا ، مكفيّا بذاته ، لا خطر عليه من الانفعال أن يتسلّل إليه . ولو تمّ له ذلك ،