النفوس لسن مستقلّات عنه ، بل ينسجمن معه في انحدارهنّ ويندرجن في الحركة الدورية فيخرجن معها بتناسق واحد . ولا غرو ، فإنهن بحيث يستدل من هيئات الكواكب على حظوظهنّ وأنماط حياتهنّ ومقاصدهنّ . فكأن هذا الكل المتناسق يصعّد « لحنا واحدا ليس فيه تنافر » .
ولعل خير ما يشار به إلى ذلك كله ، هو أنه موسيقى وأنغام . / ولما كان ذلك كذلك لو لم يكن العالم الكلي مقيّدا في صنعه بالروحانيات . فإنه إذا انفعل ، قيست انفعالاته بالأقيسة التي تقاس بها أدوار النفوس ورتبهنّ . وبالأقيسة ذاتها تقاس أنماط الحياة التي تقسم للنفوس تبعا لأجناس الأطوار التي يجتزنها وهي تارة في الملأ الأعلى وطورا في السماء ، أو حين ينقلبن إلى هذه الأقطار ويوجّهن وجههنّ لها . إن الروح يبقى كلّا / في الملأ الأعلى دائما ولا يخرج يوما عمّا هو له في ذاته . لكنه على بقائه كلّا في الملأ الأعلى يرسل ما يرسله إلى هذا العالم بوساطة النفس . وما دامت النفس قريبة منه فإنها أشدّ الأمور تكيّفا بالمثال الذي ينبعث من عالم الروح .
فتمدّ بهذا المثال ما يكون تحتها ، وهي تفعل على نسق واحد تارة ، وطورا يختلف مددها باختلاف الظروف ، / لأنها تضبط التقلّبات في نظام . ثم لا يكون نزولها على السواء دائما ، بل إنها تزيد فيه تارة وتقلّ منه أخرى ، ولو كان ما تسير إليه من جنس واحد . فلا تقصد النفس الجزئية بنزولها إلّا ما كان مجهّزا لاستقبالها وهو على حال يوافق حالها . وعنده تتحرّك النفس الجزئية إلى ما يكون بينها وبينه تماثل : فنفس تسير إلى الآدمي وأخرى إلى البهيمية ، وهي تختلف عنها في كل بهيمية أيضا .
13 إن القضاء المحتوم والسنّة التي لا تبديل فيها مستكنان في طبيعة قاهرة تسيّر كل أمر ، في المقام المعدّ له ، نحو الشيء الذي نشأ إثرا لما كان ذلك الأمر في معناه المقصود وفي حالته أصلا . ثم إن كل أصل مثالي لكل نفس جزئية يكون في جوار ما حصلت فيه الحالة التي تكون عليها تلك النفس . / فإذا حان حينها ، ولم تحتج إلى باعث يبعثها أو سائق يسوقها حتى تقدّم في وقتها إلى هذا الجسد أو ذاك . بل إنها ، حينئذ ، كأنها تنطلق من تلقاء ذاتها فتنزل وتستقر حيث ينبغي لها أن تكون . هذا وإن الوقت يختلف باختلاف النفوس . فإذا حان هبطت النفس وتسلّلت إلى الجسم الذي يوافقها فكأنها تلبّي / صوت هاتف يهتف بها ، وكأن ما يحدث إنما يحدث بتحرّك ودفع من ساحر يسحر أو جاذبية تجذب بقوة . مثله كمثل ما يتم لدى الحيوان في تدبير شؤونه . تحرّك نفسه في الوقت اللازم كل جزء من أجزائه أو تنشئه ، كما تفعل في بعث اللحية أو القرون مثلا . فمن ميول تنبعث عنده وهي جديدة عليه ، ومن ازدهار عنده لم يكن له به عهد في سالف زمانه . / وقل مثل ذلك فيما يتمّ في الأشجار من تدبيرات تقع منظّمة منضبطة في أوقاتها .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 318
مساهمون: أفلوطين
ص٣١٨