اكتسبتها . والصناعة تأتي بعد ما هو عمل النفس بالطبع فتقلّده ويخرج من تقليدها آثار مطموسة مهمة هي لعب ليس لها شأن كبير ، ناهيك بالأدوات التي تلجأ إليها لإحداث ما هو أثر فقط . أما النفس فإن لها ، بقوة ما هي عليه في ذاتها ، السيادة المطلقة على الجسم . / فتنشئه وتجعله هي على ما تريد أن تسيّره إليه ، إذ أنه ليس بوسعه في بداية أمره أن يقاوم مرادها . أجل قد يقف بعض الأجسام حائلا دون بعضها الآخر بعد ذلك ، فكثيرا ما تحرم من إدراك الشكل الخاص الذي يريده لكلّ منها المعنى الكامن فيها بذرا . أمّا في الملأ الأعلى ، فإن النفس تنشئ الشكل الكلي ، / وتنبعث المحدثات معا بترتيبها ، فيكون ما ينشأ حسنا من غير عناء ولا قيد . هي التي تجهّز هنالك في ذلك الكل للآلهة هياكلها وللناس منازلهم وللأشياء الأخرى لوازمها .
ولعمري ، ما عسى يجب فيه أن يصدر عن النفس سوى أمر كان يسعها بقوة خاصة أن تصنعه . إن من شأن النار أن تحدث الحرارة ، / أما البرودة فعمل جسم آخر . لكن لعمل النفس وجهين : عمل يخرج منها فيؤثّر في غيرها ، وعمل يبقى معها في ذاتها . ففي الجوامد التي ليس لها نفس إذا بقي فيها العمل الذي ينبعث منها بقي وكأنه نائم ، وإن امتدّ إلى غيرها فليجعل ذلك الغير شبيها بها بقدر ما يسعه أن يتلقّى الانفعال . هذا لأنه من شأن الشيء أن يحمل غيره على التشبّه به ، وهو أمر تشترك فيه الأشياء كلها . أما عمل النفس حتى ولو كان باقيا فيها ، / فإنه في حال اليقظة دائما ، وهو من هذه الناحية مع عملها على غيرها سواء . إنها تحيي الأشياء الأخرى التي ليس لها حياة من ذاتها ، فتمدّها بحياة من نوع حياتها هي . وما دامت تحيا في العقل فإنها تمدّ الجسد بالعقل وهو أثر لعقلها ( ولا غرو ، إذ أن كل ما تمد الجسد به إنما هو أثر لحياتها ) ، كما إنها تمد الأجساد كلها بالهيئات التي / تنطوي هي على معانيها . ولكنها تنطوي على معاني الآلهة انطواءها على معاني الأشياء كلها . وإذا كان ذلك كذلك فإنّ العالم ينطوي على الأشياء كلها إذا أيضا .
11 إن الحكماء القدامى أرادوا أن يكفلوا لأنفسهم حضور الآلهة بينهم ، فأقاموا التماثيل وأشادوا الهياكل . وأرى أنهم بذلك نفذوا بإدراكهم إلى الكل في صميم حقيقته . لقد فهموا أنه يسهل علينا أن نستميل نفس الكل في ذاتها أينما كان . ولكنّا نضمن لنا أسهل الطرق لحفظها بيننا لو شيّدنا شيئا منسّقا لينفعل بها / وبوسعه أن يتلقّى قدرا ما مما هي عليه في ذاتها . إن صورة الشيء ، مهما يكن حظّها من تحصيل الأصل ، منسّقة للانفعال بهذا الشيء : فكأنها مرآة باستطاعتها أن تقبض على قدر من مثال الشيء . وذلك لأن طبيعة الكل صنعت الأشياء بفنّ فائق تقليدا للأمور التي كانت هي منطوية على معانيها . فبعد أن نشأ الشيء ، وهو كذلك معنى في الهيولى ، أتته هيئته من المعنى المتقدّم / على الهيولى ، ووصلته طبيعة الكل بالإله الذي نشأ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 316
مساهمون: أفلوطين
ص٣١٦