يكون خاليا من كل معنى . فتلقّى الظلام هذا المعنى وكأنه ، كما قيل ، غموض في ما هو الغموض أصلا . ومهما يكن من أمر فقد أصبح العالم وكأنه بعد ذلك منزل جميل عديدة جوانبه . لم ينفصل عن صانعه كما أن صانعه لم يشركه في ذاته ، / بل نظر إليه كلّا من كل جانب على أنه جدير بالعناية . ففي هذه الغاية نفع للعالم من حيث كيانه وحسنه بقدر ما في وسعه أن يصيب من الكيان ، وليس فيه ضرر للذي يسيّره وهو يدبّر أموره من الملأ الأعلى حيث يستمر باقيا . على هذا الوجه كان العالم ذا نفس إذا : إن له نفسا ليست منه ، / وهو محكوم ليس حاكما ومملوك ليس مالكا . إنه ثابت في النفس التي تحفظه ، وكل ما فيه إنّما يصله من النفس .
فهو كالشبكة وقد ألقيت في عباب الماء : تغمرها الحياة ثم لا يسعه ان يحوّل إلى ذاته ما يغمره .
يمتد البحر فتمتد الشبكة معه / بقدر ما في إمكانها أن تمتدّ ، لأن كل جزء من أجزائها لا يسعه أن يكون في غير المكان الذي حلّ فيه . أما النفس فليست محصورة بكمّ ، ولذلك كانت فطرة وجبلة من العظمة بحيث تشمل جسم الكل بامتداد منها واحد لا انفصام فيه ، فهي هناك حيث ينتهي جسم الكل . وإن لم يكن جسم الكل ، فلا ينال الأمر من قدرها ، / إذ أنها دائما هي هي في ما تكون عليه . إن الكل يمتدّ كمّا في نطاقها ، ويحدّد كمّه بقدر ما يكون هو في امتداده ، باقيا في رعاية النفس وحفظها . وهو بذلك ظلّ ينبسط بقدر اتساع العقل الذي ينبعث من النفس . أما هذا العقل فيكون بدوره بحيث يحدث من الكمّ سعة تمتدّ بقدر السعة التي يريد أن يحدثها مثاله الأصلي في العالم / الروحاني .
10 بعد أن علمنا أن « دخول » النفس هو كذلك ، يجب علينا أن نعود إلى ما هو دائم لا يتغيّر فندرك الأشياء كلها على أنها موجودة معا . فلنأخذ مثلا الهواء والنور والشمس ، أو القمر والنور والشمس مرة أخرى . فإن كل هذه الأمور موجودة معا ، مرتّب بعضها مع بعض ، من أوائل وثوان وثوالث . وكذلك هنا أيضا . فالنفس أولا وهي ثابتة دائما في ذاتها . / ثم الأمور الأولى بعدها وما يلي ذلك متدرّجا ، كأنّه جوانب النور في أطرافه ، وهو الأول إذا نظر إليه من تلك الجوانب على أنه ظلّ النور . ثم هو الظل أخيرا وإذا بالنور يشعّ فيه كله معا ، فكأن مثالا يتراقص عليه وهو مرتسم في الأسافل والذي كان غموضا كالحا في بداية أمره . عندئذ يبدو ذلك الظل بمعالم التي تكشف عمّا ينطوي عليه معناه ، ما دام للنفس وهي كل قوة كامنة فيها / تمكّنها من أن تضفي على الشيء المعالم التي تستلزمها معناه . مثل ذلك مثل البنى المعنوية الكامنة في البذور والتي تكوّن الحيوان في جبلّته وتسوّيه في شكله فتجعله كأنّه عالم صغير . إنّ كل ما يتصل بالنفس ، تصنعه النفس تبعا لما هي عليه طبعا . وهي لا تصنع عن معرفة مكتسبة ترد عليها أو عن تروّ وتفكير تتريّث فيهما ، / وإلّا لما خرج صنعها صادرا عنها بالطبع بل بصناعة تكون قد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 315
مساهمون: أفلوطين
ص٣١٥