الأخلاق والأعمال الفكرية وأطوار الحياة السالفة . فإن أفلاطون يقول في النفوس « إنهنّ يحدّدن اختيارهنّ تبعا لأطوار الحياة السالفة » . لكن من أدرك / النفس في حقيقتها إدراكا مطلقا تبيّنت له هنا أيضا فوارقها كما ذكرت في المقاطع التي ورد فيها القول عن نفوس المقام الثاني والثالث . فقد قيل هناك أن النفوس كلهنّ هنّ كل شيء إلّا أنّ كل نفس تتكيّف تبعا للقوة الفاعلة فيها . فنفس تكون مع الروح بالفعل ، وثانية بالمعرفة وثالثة بالرغبة . كل نفس تشاهد شيئا فتكون ما تشاهده وتصير عليه . / فليس الرغد واحدا لدى النفوس كلهن ولا الكمال أيضا . إلّا أنهن يؤلّفن بنيانا متماسكا متعدّد الوجوه ، ( إذ أن العقل الكلي واحد ، وذو كثرة متعددة الوجوه ، مثلما أن في الحيوان الذي له نفس ، أشكالا متعددة ) . وإذا كان ذلك كذلك كان الكل بنيانا متماسكا ، ولم تكن الحقائق في شتيت مطلق ، / متفرّقا بعضها عن بعض . ثم إنه ليس للمصادفة وللاتفاق مجال بين النفوس ، ما دام ليس لها مجال حتى في الأجساد . ونتيجة كل ذلك أخيرا هي أن النفوس ذات عدد معيّن . فإنه يجب في الحقائق أن تكون ثابتة في ذاتها ، وفي الروحانيات أن تبقى هي هي على ذاتها . وفي كلّ منها أن يكون واحدا بالعدد ؛ ويجب في الفرد العيني أن يكون كذلك . أمّا في العالم الحسي ، فإنّ طبيعة الجسم تجعل فردية الشيء / في جري مستمر لأنّ الكيان بالمثال لا يتمّ أبدا هنا إلّا تقليدا للحقائق ، ما دام المثال آنئذ شيئا مكتسبا طارئا . لكنّ الأمور التي لا تنشأ من تركيب إنّما تقوم بما هي عليه في ذاتها وكلّ منها واحد بالعدد . فالأمر حاضر أصلا لا ماضي له لم يكن فيه ولا مستقبل لا يكون فيه . ولنفترض صانعا يصنع هذه الأمور ، / فإنه لن يلجأ في صنعها إلى الهيولى . وإذا كان ذلك كذلك وجب عليه أن يأتي من لدنه بما يكون من جنس الحقائق ممّا يؤدي إلى التغيير فيه تبعا لصنعه إن زاد أو قلّ في آنه الحاضر . ولعمري ، لما ذا يصنع في زمان ما ثم لا يبقى دائما على حاله ؟ ثم إن صنعه لا يكون ازليّا ما دام خاضعا للكثرة أو القلّة في حين أن النفس في نظرنا أزلية . / ولكن كيف تكون شيئا لا نهاية له إذا كانت ثابتة في ذاتها ؟ ألا ، إنها شيء لا نهاية له بقوتها ، لأنّ القوة شيء لا نهاية له ؛ ولا يعني ذلك أنها تتجزّأ بعدد من الأجزاء ليس له نهاية . فإن اللّه مثلا ليس له نهاية . وكذلك القول في النفوس : ليست النفس في ما هي عليه محدودة بحدّ غريب عليها ، وكأنها تعيّن بكمّ .
بل أنها تأخذ هي الكمّ الذي تريده ، فلن يحدث لها يوما / أن تخرج في امتدادها عمّا هي في ذاتها . وما كان منها مفطورا على أن يخترق الأجسام وينساب فيها ، تمّ له الأمر وشمل الجسم كله بانسيابه فيه . على أنه لا يحصل آنئذ انفصال في ذاتها ، ولو كانت في الأصبع أو كانت في القدم . كذلك تكون حقا في الكل الذي تسلّلت إليه في هذا الجزء من الشجرة أو ذاك ولو قطع عنها ؛ بحيث تكون في الشجرة التي هي الأصل ، / وحتى في الغصن الذي قطع منها . فإن جسم الكل واحد ، والنفس في كل جزء منه على أنها في شيء واحد . فإذا اعترى الحيوان الفساد ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 313
مساهمون: أفلوطين
ص٣١٣