نأخذ نفوسنا من نفس الكل على أنها أجزاؤها . ويدّعون أخيرا ما ورد عنده من « أن النفس الكلية تشمل بعنايتها كل ما ليس فيه نفس » إنما يعني الأمر نفسه أيضا . وقصارى الكلام أنهم يزعمون في أفلاطون أنه لا يدع شيئا من قبيل النفس بعد النفس الكلية / وغريبا عليها : فإنها هي التي تشمل بعنايتها كل ما لا نفس له .
2 عن كل ذلك نجيب أولا بما يلي : إنهم يجعلون النفسين متجانستين ما داموا يسلّمون بأنهما تدركان أشياء واحدة . وهذا يعني أنهم يعتقدون في النفسين أن لهما جنسا مشتركا مما ينفي القول عن كل منهما بأنه جزء . ولكم كانوا إلى الصواب أقرب لو قالوا في النفس ذاتها إنها في آن واحد ، نفس واحدة / وكل نفس على حيالها . وإذا جعلوا النفس واحدة أرجعوها إلى أصل آخر ليس نفس هذا الشيء أو ذاك ، بل ليس نفس شيء قطّ ، لا نفس العالم ولا نفس أي شيء آخر . فإنما يصنع هو نفس العالم ونفس كل ما فيه نفس مهما يكن نوعه . والقول الصواب في الأمر هو أن النفس كلّا ليست نفس شيء معيّن ، ما دامت على الأقل ذاتا . أو فلنقل أنه ثمة نفسا ليست نفس شيء معيّن قطعا . أما النفوس التي تكون نفوس أشياء معيّنة ، فإنما تصبح كذلك عن طريق العرض بوجه عام . /
ربما كان لزاما علينا في معالجتنا لمثل هذه الأمور أن نزيد جلاء فهمنا للجزء بأي معنى يقال . فإن الجزء يقال في الأجسام سواء أكان الجسم متجانسا أو غير متجانس . وهذا معنى لا بدّ من العدول عنه هنا ، على أن نلاحظ فقط ما يلي : وهو أن الجزء إذا قيل في الأشياء المتجانسة الأجزاء ، إنما ينظر إليه جزءا من حيث الحجم لا من حيث النوع ، / مثلما هو الأمر في البياض .
فإن البياض في قدر من اللبن ليس جزءا من بياض اللبن كله . هو بياض الجزء وليس جزء البياض ، إذ أن البياض لا مقدار له ولا كم . هذا وحسبنا ما ذكرناه عن الجزء في الأجسام . أما إذا ذكرنا الجزء على ما يكون في غير الأجسام ، فإنه يعني آنذاك مثلما نعني بقولنا في الأرقام أن الاثنين جزء من العشرة مثلا . على أنّا لا نقصد هنا إلّا الأرقام المجرّدة . أو أنه يعني ما نعنيه بالجزء من الدائرة أو الخط ، أو بالنظرية على أنها جزء من علم خاص . فشأن الوحدات الحسابية والهيئات الهندسية شأن الأجسام حتما : إنها تقلّ كلّا / بتجزئتها إلى أجزاء ، كما أن الجزء في كلّ منها هو أقل من الكل . وما دامت كميّات وما دام كيانها قائما في الكم ولم تكن هي الكم بالذات ، فإنها في حكم الكثرة والقلة حتما . فالجزء بهذه المعاني كلها لا يقال على النفس بحال . إنه ليس كما بمعنى أن نفس الكل عشرة / وأن النفس الجزئية هي وحدة فردية .
ففي هذا القول هذيان من وجوه كثيرة مختلفة : وأولا ليست العشرة شيئا واحدا فردا ؛ ثم إنه إمّا أن تكون كل وحدة من تلك الوحدات الفردية نفسا ، وإمّا أن تكون النفس مؤلّفة من أجزاء لا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 307
مساهمون: أفلوطين
ص٣٠٧