تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
تجزّأت في الأجسام فبالتجزّؤ الذي يلازم الأجسام لزوما خاصا ، وما دامت هذه الأجسام ليس بوسعها أن تتلقاها وهي غير مجزّأة . ومن ثم فما التجزّؤ إلّا انفعال / يتمّ على الأجسام وليس على النفس ذاتها . 2 يجب في حقيقة النفس أن تكون على ما وصفناها إذا . فليس في جانبها ما يمكن أن يكون نفسا لا تتجزّأ فقط أو تتجزّأ فقط ، بل يجب فيها أن تكون كلا الطرفين معا بالوجه الذي ذكرناه . ويدلّ على ذلك ما يلي : نقول أولا أنه لو كانت النفس مثل الأجسام ، وكانت تقوم بأجزاء / يختلف بعضها عن بعض ، لكان الجزء منها ينفعل ثم لا يشعر الجزء الآخر به وهو منفعل . فالذي يشعر بالانفعال آنئذ إنّما هو النفس الجزئية ، كالنفس التي تكون في الأصبع مثلا ، وهي تفعل لكونها جزءا من النفس يختلف عن غيره وقائما في ذاته . مما يؤدّي بوجه عام إلى القول بنفوس كثيرة فينا لكل نفس جزؤها تقوم بتدبيره ، وإلى القول فوق ذلك بأنه ليس للعالم الكلي نفس واحدة ، بل نفوس بعدد / لا نهاية له ، منفصل بعضها عن بعض . والقول بأن الوحدة تتم باتصال بعض الأجزاء ببعضها الآخر قول عبث ما لم ننته إلى ما هو واحد حقا . فإنه لا يجوز أن نتلقّى برحابة صدر ما اغترّوا به وذهبوا إليه إذ ادّعوا أن الإحساس إنما تتدافعه أجزاء النفس جزءا جزءا حتى ينتهي إلى الجزء الراجح فيها . فالقول بجزء لدى النفس يكون راجحا فيها قول لا يقوم على بحث دقيق ؛ هذا أولا . ولعمري ، كيف يجزّؤون النفس فيميّزون فيها الجزء عن الآخر / ثم يتبيّنون الجزء الراجح بينهما ؟ ما هو المقدار الذي يعمدون إليه ليفرّقوا بين الجزءين ، وما هو الفرق في الكيف ما دام الكل بحجم واحد متّصل بعضه ببعض ؟ ثم هل يكون الشعور للجزء الراجح أم تشعر معه الأجزاء الأخرى أيضا ؟ وإذا كان الراجح هو الذي يشعر وحده ، ووقعت المحسوسات عليه فأين يكون محلها حتى يحسّ به ؟ / وإذا وقع المحسوس على جزء آخر من النفس ، غير مفطور على أن يحسّ ، فإن هذا الجزء لن يدفع انفعاله إلى المترجّح ، ولن يتمّ قطّ إحساس . هذا وإن وقع المحسوس على الراجح ، فإمّا أن يقع على جزء من أجزائه ، فيحس هذا الجزء ثم لا تحس الأجزاء الباقية ، إذ لا فائدة من إحساسها ؛ / أو تكون الإحساسات كثيرة ذات عدد لا نهاية له ، لا تكون متشابهة كلها . بل يقول أحدها : « إنني أول ما وقع عليه الانفعال » ؛ ويقول آخر : « إنني إحساس بانفعال طرأ على غيري » . أما محل الانفعال فتجهله كلها ما عدا الأوّل . بل قد يغترّ كل جزء من أجزاء النفس فيظن الانفعالات واقعة حيثما يكون هو . / أما إذا لم يكن العنصر السائد ليشعر وحده ، بل كان كل جزء من أجزاء النفس يدرك بالإحساس هو أيضا ، فما بال ذلك الجزء ينفرد بالسيادة فلا تكون لغيره ؟ لما ذا يجب في الإحساسات أن ترتقي إليه ؟ وأنّى له أن يستخرج من إحساسات