الفصل الثالث ( 27 ) في المشكلات المتعلّقة بالنفس ( القسم الأول )
1 إن البحث في النفس جدير بالاهتمام حقا سواء أقصدنا به الأمور التي أشكلت علينا وكان علينا ان نجد لها حلّا ، أم وقفنا عند هذه الإشكالات ذاتها ، ولم نستفد من عملنا سوى تبيّن مواطن الإشكال فيها .
ولعمري أيّ بحث أجدر من البحث في النفس بأن يقضي الوقت فيه من يريد الاسترسال في الحديث / والإسهاب في التدقيق ؟ فبين الدواعي الكثيرة المختلفة التي تدفعنا إليه هو أنه يفيدنا معرفة من وجهين : معرفة ما هو للنفس أصلها ، ومعرفة ما هو من النفس أصله . فضلا على إنّا ، إذا قمنا بهذا البحث ، إنما نلبّي دعوة اللّه ، إلى أن يعرف كل منّا نفسه . هذا وما دمنا نريد أن نبحث عن الأمور الأخرى وأن نجدها ، / فأول ما يجب علينا هو أن ننقّب عن القوة الباحثة ما هي ؛ ولا سيما أن رغبتنا على أشدّها إنما هي في أن ندرك من بين مشاهداتنا أحبّها إلينا . إن الاثنينية التي أشرنا إليها آنفا كانت في الروح الكلي ذاته ، فلا غرو إن وجدنا في الأمور الجزئية ما يكون في الوجه الأول راجحا ، وما يكون على الوجه الثاني . أجل ، لا بدّ من البحث عن النفس كيف تتلقّى الآلهة . ولكنه بحث نرجئه حتى نعالج مسألة / النفس كيف تكون في البدن . اما الآن فلنعد إلى الذين يقولون عن نفوسنا أنها هي أيضا تشتقّ من نفس العالم الكلّي ، إنهم يدّعون أن انتهاء نفوسنا إلى ما تنتهي إليه نفس العالم الكلي ، وأن تماثلها بالروحانيّة ( على افتراض ، اللهم ، أنهم يسلّمون بهذا التماثل ) . كل هذا ربما لم يكن كافيا لينفي عن نفوسنا كونها أجزاء من نفس العالم الكلي ، / ذلك لأن الجزء متجانس مع الكل ، فيما يقولون . ثم يدلون بعد ذلك ، بما ورد عند أفلاطون إذ يقول في إثباته أن للعالم الكلّي نفسا : « مثلما أن جسدنا هو جزء من العالم الكلّي ، فإن نفسنا هي جزء من نفس / هذا العالم أيضا » . كما وقد ورد لديه وثبت بوضوح أنّا تابعون لحركة الكل الدورية ، وأنّا من ذلك نتلقّى طباعنا ومقدوراتنا ، وما دمنا داخل الكل وفيه فإنّا نأخذ نفوسنا منه ، الذي هو يحيط بنا . ثم يقولون أن ما لدى كل جزء منا ، إنما يصله من نفسنا ؛ فكذلك نحن أيضا وعلى القياس ذاته ، / ما دمنا أجزاء في الكل ،