تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
تخرج منها النفوس كلها ، نفس الكل والنفوس الأخرى . فتبقى معا وموحّدة ما دام كل نفس منها ليست نفس شيء قط . ثم لا تزال مرتبطة بمعالم حدودها ، متجمّعا بعضها إلى بعض ، موجّهة وجهها إلى العالم الأعلى وهي تبعث ارتساماتها إلى كل صوب وناحية . فمثلها آنذاك مثل نور موجّه نحو الأرض حيث يتوزّع على منازل الناس / وهو لا يتجزّأ بل يبقى واحدا لا يناله في ذاته نقصان . أما نفس الكل فتبقى دائما مشرفة من عل لأنها ليس لها شأن تنزل إليه لا لتنحني على ما تحتها ولا لتنقلب إلى أمور هذا العالم . أما نفوسنا فإن لها نطاقا محدودا في هذا العالم وارتدادا إلى ما يحتاج إلى اهتمامها به . والنفس بهذا المعنى - وأعني بها أسفل ما يكون من نفس الكل - / كأنها نفس دوحة عظيمة ، تدبّر شؤونها دائبة صامتة . أما أسفل ما يكون في نفوسنا فإنما هو بمنزلة الديدان فيما لو نزلت الديدان في جزء فاسد من الدوحة إذ أن الجسم الذي فيه نفس هو كذلك في العالم الكلي . هذا وإن جانب نفسنا الآخر الذي يجانس / جانب النفس الكليّة الأعلى . فمثله مثل الفلاح لو انصرف إلى الاهتمام بالديدان في الشجرة وأخذ يعتني بالشجرة . أو أنه مثل الرجل الصحيح البدن فيما لو قيل عنه أنه بين قوم صحيحة أبدانهم ، فيكون في ما هو إليه من عمل أو مشاهدة ؛ فإذا أصابه المرض وانقلب يعالج بدنه أصبح مهتما بأمور بدنه ووقف ذاته لها . 5 ولكن كيف يقال بعد ذلك أن لك نفسك ولهذا نفسه ولغير كما نفسه ؟ أتكون ( النفس الواحدة ) عند هذا بجانبها الأسفل ، وأما بجانبها الأعلى فليست لهذا بل لذاك ؟ إذا كان الأمر كذلك فإن أقل ما يقال فيه أيضا هو أن سقراط موجود ما دامت نفس سقراط في البدن ؛ وأنه ينعدم عندما تصبح نفسه بتمام المعنى في العالم الأفضل . إلّا أنه لن تغني من الحقائق حقيقة ابدا . / ثم إنّ الأرواح في العالم الأعلى لن تغني في شيء واحد لأنها ليست مجزّأة بالتجزّؤ الجسمي ؛ بل يبقى كل منها في مخالفته لغيره وفي ما هو عليه بذاته . وكذلك القول في النفوس . إن كل نفس مرتبطة ارتباطا مباشرا بروح جزئي . فهي لهذا الروح عقله وقد مضت أبعد منه مدى في تطوّرها وانبساطها ، / مثلما يخرج الكثير من القليل . فلا تزال آنئذ مقيّدة بأصلها القليل هذا ، وهو أشدّ مناعة منها على التجزّؤ ، في حين أنها أرادت هي أن تتجزّأ . ولكن ليس بوسعها أن تنتهي إلى التجزّؤ الكامل ، فتحتفظ بما هي عليه في ذاتها وبما يميّزها عن غيرها ، وتبقى كل نفس في وحدتها وتكون النفس كلها نفسا واحدة . لقد ثبت الآن فحوى هذا البحث إذا : كل النفوس مشتقّة من نفس واحدة ، وهذه النفوس الكثيرة المشتقّة من نفس واحدة / إنما هي في حال الروح ، أعني أنها مجزّأة وغير مجزّأة في آن واحد . ثم إن النفس الباقية هي للروح عقله الواحد ومنها تشتق العقول الجزئية المنزّهة عن الهيولى ، كما هو الأمر في الملأ الأعلى .