تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
المحسوس ذاته : صحيح أنه يقبل التجزّؤ ولكنه ليس كذلك أصلا ، مثل الأبدان إنما يصبح متجزّئا إذا حلّ في الأبدان . ومن ثم فما دامت الأبدان مقسّمة ، فإن المثال الذي يحلّ فيها يتجزّأ هو أيضا / غير أنه يبقى بكامله في كل متجزّئ من المجزّئات ، فيصبح كثيرا وهو واحد . وما دام قد أصبح متجزّئا تجزّؤا مطلقا ، فإن كل جزء منه يكون منفصلا عن غيره انفصالا تاما . مثل ذلك مثل ما يتمّ في الألوان والصفات وفي كل شكل وهيئة . فإن كل هيئة بوسعها أن تكون كاملة في أشياء كثيرة بعيد بعضها عن بعض ، ولا تجد لها قطّ جزءا ينفعل بانفعال غيره . / يجب في هذا الأمر أن نفترضه قابلا للتجزّؤ على وجه الإطلاق إذا . إلّا أنّا نجد فورا إلى جانب الذات التي لا تتجزّأ قطّ ، ذاتا أخرى تشتقّ منها أيضا . فهي من حيث اشتقاقها من الذات الأولى ، لا تتجزّأ بحال ؛ إلّا أنها ، ما دامت تبتعد من هذه الذات وتقترب من الذات الثانية المقابلة ، فهي تستقيم متوسطة بين الذاتين : الأولى التي لا تتجزّأ / والذات التي تتجزّأ مع الأجسام وفيها . على أنها حينذاك لا يكون شأنها شأن اللون والكيف بوجه قطّ . فإن الكيف ، إذا كثرت أحجام الأجسام التي يحلّ فيها ، يبقى هو هو في كل ناحية من نواحي هذه الأحجام الكثيرة . بيد أنه في كل جزء ، بعيد كل البعد عنه في الجزء الآخر ، وبقدر ما أن حجم الأول بعيد عن حجم الثاني . أجل قد يكون الكمّ واحدا ، / ولكن أقل ما يقال عن الكيف الواحد في كل جزء من الأجزاء هو أنه لا ينفعل بانفعال مشترك واحد ، لأن هذا الكيف الواحد هو شيء في جزء وشي آخر في الجزء الآخر . فإن ما هو واحد هنا هو تكييف عارض وليس ذاتا . أما الحقيقة التي تقول عنها أنها فوق الذات التي تتجزّأ ، وفي جوار الذات التي لا تتجزّأ فإنها هي ذات أيضا . وهي ذات تحلّ في الأبدان ، / فإذا أصبحت في الأبدان طرأ عليها التجزّؤ ، وهو حال لم تكن لتتكيف به أولا ، وقبل أن تعطي ذاتها للأجسام . ثم إذا حلّت في الجسم ولو كان الجسم الأكبر الذي يشمل الأجسام كلها ، فإنّها تعطي ذاتها لهذا الجسم كلّا بدون أن يبطل كونها واحدة ، ولا يكون ذلك بمعنى أن يكون الجسد واحدا : فإن الجسد واحد باتصال أجزائه ، / أما أجزاؤه فمختلف بعضها عن بعض ولكلّ محله . كما أنه ليس بمعنى أن يكون الكيف واحدا . فإن ذلك الأمر الذي يصحّ عليه القول بأنه يتجزّأ ولا يتجزّأ في آن واحد ، والذي نسمّيه النفس ، ليست وحدته مثل وحدة الشيء المتّصل المختلفة أجزاؤه . بل يقال عن النفس أنها تتجزأ لأنها في كل جزء من أجزاء البدن الذي تحلّ فيه ، ويقال عنها أنها لا تتجزّأ لأنّها / كلّها في الأجزاء كلّها ، وفي كل جزء على حياله أيضا . فإذا أدرك المرء ذلك أدرك عظمة النفس وقدرها ، وفهم أن أمرها أمر ربّاني عجيب وهو فوق ما يكون عليه أمر الأشياء الأخرى كلها . إنها لا تقدّر بمقدار ، وهي مع كل مقدار ، هي هنا ، ولكنها هناك أيضا لا على أنها غيرها بل / على أنها هي هي . ومن ثم فإنّها مجزّأة وغير مجزّأة أيضا ، أو بالأحرى مجزّأة في ذاتها ولا تتجزّأ . فإنها تبقى كلها دائما مع ذاتها ، وإذا