الخير جعل أثره في الرّوح ملكا للرّوح ما دام يشاهده إذا . فلا غرو ، إن انبعثت في الرّوح الرّغبة : فهو راغب دائما وهو دائما مصيب . أمّا الخير فلا رغبة عنده ( وفي ما ذا يرغب ؟ ) ولا يصيب شيئا ما دام لا يرغب في شيء . كما إنّه ليس الرّوح أيضا ما دام لدى الرّوح رغبة في مثال الخير وميل غريزيّ إليه . / وبعد ، فإنّ الرّوح في منتهى الحسن ولا حسن العالم بأسره : النّور النّقيّ جلبابه والبهاء أيضا في صفائه ، وهو يتناول بشموله الحقائق كلّها بما فيها ، وليس عالمنا الحسيّ مع ما هو الحسن إلّا ظلّه وأثره . إنّه في ذرى السّناء مقامه ، وإنّه لبريء من كلّ شيء غير روحانيّ ، وليس فيه ظلال ولا خلل ، بل حياة السّعادة حياته . / فلا غرو ، إن ملك العجب من شاهده ونفذ إليه حقّا وشاركه في وحدته . ولكن المرء يرفع نظره إلى السّماء ويرى سواطع الكواكب فيها فيذكر صانعها ويبحث عنه . فكذلك القول في من شاهد العالم الرّوحانيّ وأمعن النّظر فيه فملك عليه الإعجاب أمره . / ينبغي أن يبحث عن صانع هذا العالم : فمن عساه أن يكون ذلك الّذي أوجد شيئا من هذا الطّراز ، فأين هو وأنّى يكون ذلك الذي انجب الروح ولدا يفيض حسنا ثم أخذ هذا الحسن من غيره . ولعمري ، ليس الروح مبدعا له ولا فيض الحسن أيضا ، بل كان قبل الروح وقبل فيض الحسن . فإنما يكون الروح من بعده ، وفيض الحسن كذلك ما دام فيض الحسن في حاجة إلى أن يرى حاله فيضا للحسن ، وما دام الروح في حاجة إلى أن يجعل روحا عارفا . / أجل إنّهما القريبان إلى الّذي هو غنيّ عن كلّ شيء والّذي ليس في حاجة إلى العرفان ، وإنّهما لداهما العرفان والحبور حقّا ، لأنّهما هما الأوّلان اللذان أدركاهما .
أمّا ما هو قبلهما ، فلا يحتاج ولا يدرك ؛ وإلّا لما كان الخير هو هو .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 291
مساهمون: أفلوطين
ص٢٩١