تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
في جزئه أن يكون حاصلا على العالم الكلّيّ وعلى الأشياء كلّها . وإلّا لكان فيه جزء ليس روحا ، ولكان مركّبا من أبعاض ليست أرواحا ، بل هو كومة مركومة ينتظر ضمّ بعضها إلى بعض ريثما يخرج منها هو روحا . وكذلك لم يكن للرّوح حدّ . / وإذا صدر عنه شيء ، فلا يحدث نقصان لا في ذلك الّذي صدر ، لأنّه الأشياء كلّها هو أيضا ، ولا في الرّوح الّذي خرج منه الشّيء لأنّ هذا الرّوح ليس شيئا مركّبا من أجزاء متجاورة . 9 كذلك هو الرّوح إذا . ولذلك لم يكن هو الأوّل ، بل لا بدّ من شيء فوقه ووراءه وهو الّذي من أجله سقنا الكلام الّذي سبق . فأوّل ما يبادرنا هنا هو أنّ الكثرة متأخّرة على الواحد . ثمّ إنّ الرّوح عدد ، وأصل العدد وما كان من جنسه إنّما هو الواحد حقّا . وبعد ، فإنّ ما يقابلنا في الرّوح هو الرّوح والشّيء المدرك به معا . وهما اثنان معا إذا . وإذا كانا اثنين / وجب إدراك ما هو قبلهما وبعدهما . وما عساه أن يكون ؟ أيكون الرّوح فقط ؟ ولكنّا نجد لكلّ روح قرينا وهو المدرك بالرّوح ؛ وإذا وجب في المدرك بالرّوح الّا يكون للرّوح قرينا لما كان الرّوح روحا . فإذا لم يكن روحا ، بل هو من الاثنينيّة في براء إذا ، فهو متقدّم على الاثنينيّة ، وراء الرّوح وفوقه . وما هو المانع من أن يكون هو المدرك بالرّوح ؟ إلّا أن / المدرك بالرّوح إنّما هو للرّوح قرين . فإذا لم يكن روحا ولا مدركا بالرّوح ، فما عساه أن يكون ؟ نجيب : هو الّذي منه الرّوح وما يدرك بالرّوح أيضا . فما هو إذا ، وكيف نتصوّره ؟ إنّه بين أمرين : أو مدرك بالرّوح أو شيء غير مدرك بالرّوح . فإذا كان مدركا بالرّوح فهو روح ؛ وإن لم يكن مدركا بالرّوح فهو لا يعرف شيئا بما فيه ذاته أيضا . / فما ذا يجعله جديرا بالإكرام بعد ذلك ؟ لو قلنا إنّه الخير على اطلاقها ، لنطقنا بالصّواب . ولكنّه ليس قولا واضحا صريحا ما لم نكفل لنا إذ نقوله ما نسند إليه فكرتنا . ذلك لأنّه ما دامت معرفة الأشياء الأخرى لا تتمّ إلّا بالرّوح ، وما دمنا لا نعرف الرّوح إلّا بالرّوح أيضا ، فما عسى أن / يكون المسّ الخاطف الّذي ندرك به ذلك الأصل الّذي هو وراء الرّوح وفوقه ؟ نقول لمن ينبغي أن نشرح له الأمر بقدر المستطاع : إنّ هذا الإدراك يتمّ بشيء ثابت فينا ، وهو بذلك الأصل شبيه ؛ فإنّ لدينا شيئا منه . أو إن شئنا فلنقل : ليس من شيء إلّا ويكون ذلك الأصل معه ، وأعني تلك الأمور الّتي تشاركه في جانب منه . فإنّ الموجود في كلّ مكان ، تستطيع أن تستمدّ منه حيثما قابلته ما يكفل / لك الإدراك عندك . مثل ذلك مثل ما يتمّ في الصوت إذا ملأ الفضاء وانتهى معه إلى أناس مهما كان مكانهم من الفضاء . فإذا تنبّه السّمع عندهم تلقّى الصّوت كلّه ، ولكنّه ، من وجه آخر ، لا يتلقّى الصّوت كلّه . فما عسانا نكون قد تلقّينا عندما نقابل ذلك الأصل هكذا بروحنا ؟ ألا يجب أن يتمّ في الرّوح آنذاك ما هو كأنّه الانسحاب إلى الوراء ، / وكأنّه هو ذاته يتخلّى عن ذاته لما هو وراءه وفوقه ، فينبغي عليه ،