تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
عندها ، إذا أراد أن يشاهد ذلك الأصل ، الّا يكون ، وهو ذو الحدّين ، كلّه روحا فقط ؟ إنّ الرّوح هو الحياة الأولى ، وهو فاعليّة مستكنة في تساوق الأشياء كلّها ؛ لا بمعنى تساوق يتمّ ، بل بمعنى تساوق تمّ على ثبات . أقول إذا : إنّ الرّوح هو حياة وتساوق ، / وهو يشمل العالم كلّه في أدقّ أوضاعه ، لا في خطوطه العامّة . وإلّا لكان هذا الشّمول شمولا ناقصا متفككا . وإذا كان ذلك كذلك ، غدا الرّوح من شيء آخر حتما ، وهو شيء لا يكمن في التّساوق ، بل يكون هو ذاته أصل التّساوق وأصل الحياة وأصل الرّوح والأشياء كلّها . فليست الأشياء كلّها هي الأصل ، بل من الأصل تخرج الأشياء كلّها . أمّا الأصل فليس العالم كلّه ، / ولا شيئا من العالم ، وإلّا لما خرجت الأشياء منه ، ولكان ذا كثرة ، لا أصلا للكثرة . ذلك لأنّه ما دام الحادث موجودا أبدا ، فمحدثه أشدّ منه بساطة . فإذا كان هو للرّوح علّة وجوده ، وجب أن يغدو أشدّ من الرّوح بساطة . وإن اعتقد بعضهم أنّ هذا الواحد هو العالم كلّه ، فإمّا أن يكون العالم كلّه / شيئا شيئا ، وإمّا أن يكون العالم كلّه معا . فإذا كان العالم كلّه معا وقد جمع بعضه إلى بعض ، كان الواحد متأخّرا على الجملة . وإذا كان متقدّما على العالم كلّه ، كان العالم بجملته شيئا ، وكان هو شيئا آخر يختلف عن الأوّل . فضلا على أنّه لو كان هو والعالم معا ، لما غدا هو للعالم أصلا . مع أنّه يجب فيه أن يكون هو الأصل وأن يكون / قبل الأشياء ، حتى يكون هو أوّلا ثمّ تكون الأشياء بجملتها . أمّا أن يكون العالم كلّه شيئا شيئا ، فأوّل ما يقال في الأمر آنذاك هو أنّه يصبح كلّ شيء مهما كان هو هو الشّيء الآخر أينما كان . وثانيا تصبح الأشياء كلّها مختلطا بعضها ببعضها الآخر ، ولا يتميّز شيء عن شيء . فثبت بذلك أنّ الواحد ليس شيئا من العالم كلّه ، بل هو قبل الأشياء كلّها . 10 والآن ، ما عساه أن يكون ؟ إنّه قوّة الأشياء كلّها . وفي بطلان هذه القوّة بطلان الأمور كافّة : فما من شيء ، ولا روح يكون حياة أولى ، ولا حياة قطّ ! إذ إنّ ما هو فوق الحياة ، إنّما هو سبب الحياة . والحياة فعلا ، مع كونها الأشياء كلّها ، ليست هي الأولى ، بل تكاد تفيض فيضا مثلما يخرج الماء من نبعه . تصوّر نبعا لا أصل له يأخذ عنه إذا . / فإنّه يتدفّق كلّه في أنهار ولا تنفذ الأنهار ماءه بل يبقى ساكنا على حاله . أمّا الأنهار الّتي تنطلق منه فإنّها ، قبل أن تجري هذا تنفذ الأنهار ماءه بل يبقى ساكنا على حاله . أمّا الأنهار الّتي تنطلق منه فإنّها ، قبل أن تجري هذا إلى جهة وذاك إلى أخرى ، تبقى مجمّعا بعضها مع بعض إلى حين . ولكنّها ، وهي في هذه الحال ، كأنّ كلّا منها يعرف إلى أين يسيل مجراه . أو إن شئت فتصوّر الحياة في شجرة عظيمة . / فإنّها تجتاز الشّجرة كلّها ، ويبقى أصلها على حاله ، لا يتبدّد في كلّ الشّجرة بل يلزم جذورها ويقيم فيها . أجل إنّه يمدّ الشّجرة بحياتها كلّها وهي كثيرة المظاهر ، لكنّه يبقى هو بريئا من الكثرة ولو كان أصل الكثرة . وما في ذلك غرابة . أو إن كان في ذلك غرابة ، فكيف