يملأ كلّ شيء إذا ، وهو بذلك أشياء كثيرة أو بالأحرى هو الأشياء كلّها فعلا . ولو كفى وصفه بأنّه هو ذاته في كلّ مكان لكان هو الأشياء كلّها ؛ ولكنّه يوصف بأنّه ليس قطّ في مكان أيضا .
فالأشياء كلّها منه لأنّه في كلّ مكان ، ولكنّها تختلف عنه من حيث أنّه ليس قطّ في مكان . ولما ذا لا يوصف بأنّه في كلّ مكان فقط ، بل بأنّه ، فضلا على ذلك ، ليس قطّ في مكان أيضا / ؟ لأنّه لا بدّ من واحد يكون قبل الأمور كلّها وفوقها ، فيكون هو مالئ العالم كلّه ومحدثه وليس مع ذلك هو العالم الكلّيّ الّذي أحدثه .
5 يجب في النّفس أن تكون بمنزلة البصر وفي الرّوح أن تكون فيها بمنزلة المبصر : فهي ، قبل أن ترى في حال الإبهام والغموض ، ولكنّها مفطورة أصلا على أن تعرف بالرّوح . إنّها للرّوح هيولاه إذا .
6 إذا عرفنا ذواتنا عرفانا بالرّوح فإنّنا نشاهد آنذاك ، ولا شكّ ، أمرا عارما بالرّوح هو أيضا ، وإلّا لكان عرفاننا كاذبا . فإذا أدركنا ذواتنا بالرّوح إذا وعرفناها عرفانا بالرّوح أدركنا بالرّوح شيئا هو أمر روحانيّ في صميمه . وإذا كان ذلك كذلك كان قبل هذا العرفان لذواتنا عرفان في حال السّكون . ثمّ إنّ العرفان عرفان ذات موجودة وعرفان حياة ، وبالتّالي لا بدّ من ذات أخرى وحياة أيضا / قبل الذّات والحياة اللتين أدركناهما ؛ وهما ذات وحياة لا يشاهدهما المشاهد إلّا بقدر ما هو فاعليّة قائمة بذاتها . فإذا كانت الفاعليّة الّتي تتمّ في حال عرفان الآدميّ ذاته بالرّوح على وصفنا روحا هي أيضا ، فالآدميّ أمر روحانيّ حقّا ، ويكون عرفاننا لذواتنا منطويا على أثر هذه الرّوحانيّة .
7 إنّ الأوّل هو القوّة الكامنة في الحركة والسّكون ، ومن ثمّ فهو قبلهما ووراءهما . أمّا الثّاني فهو ساكن أو متحرّك بالنّسبة إلى الأوّل ، والرّوح من عالم هذا الثّاني . وهو صاحب العرفان ما دام شيئا له علاقة بشيء آخر ، أمّا الواحد فلا عرفان له . والأصل العارف أمر مزدوج حتّى في حال عرفانه لذاته ، فضلا على أنّه يعرف ذاته ناقصا آنذاك لأنّ خيره في العرفان / لا في القيام بالذّات .
8 إنّ الوجود بالفعل لكلّ متنقّل من القوّة إلى الفعل إنّما هو ما يبقى هذا المتنقّل عليه هو هو ما دام موجودا . ومن ثمّ فإنّ الكمال مكفول حتّى للأجسام ، كالنّار مثلا . إلّا أنّه ليس بإمكان الوجود هنا أن يدوم ، لأنّه مقيّد بالهيولى . أمّا الّذي ليس مركّبا فإنّه يبقى دائما لأنّ وجوده وجود
تاسوعات أفلوطين — صفحة 294
مساهمون: أفلوطين
ص٢٩٤