تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
تخرج الحياة مع كثرة وجوهها ممّا لا كثرة فيه ، / وكيف لا تكون الكثرة ما لم يكن قبل الكثرة ما ليس هو في الكثرة ؟ فإنّ الأصل لا يتقسّم في العام الكلّيّ ، إذ أنّه لو تقسّم لزال العالم الكلّيّ ولما عاد وقام ما دام الأصل ليس باقيا في ذاته مع ذاته ، ثابتا في غيريّته . ولذلك ترى أنّ الأشياء تردّ إلى الوحدة دائما . فلكلّ أمر جزئي وحدة / يردّ إليها ، بما فيه هذا العالم الكلّي الّذي له وحدة متقدّمة عليه وإليها يردّ . ولكن هذا الواحد ليس الواحد المطلق ، بل يمرّ الأمر حتّى حيث ينتهي بنا إلى الواحد المطلق . وليس لهذا الواحد واحد آخر بعده إليه يردّ . هذا وإنّنا لو أدركنا الشّجرة في وحدتها - أعني ذلك الأصل الثّابت على حاله أبدا - وكذلك الحيوان والنّفس والعالم الكلّيّ ، لأدركنا لدى كلّ من هذه الأمور قوّته / وقدره في منتهاهما . أفنتردّد بعد ذلك ونظنّ أنّنا لم ندرك شيئا فيما لو أدركنا الأمور الحقّانيّة في وحدتها ، أي في أصلها ومعينها وقدرتها ؟ لا شكّ في أنّه ليس شيئا من الأمور الّتي تنبعث منه على أنّه هو أصلها . كما أنّه لا يمكن أن يقال فيه أنّه صنف من أصناف الوجود ، كأن يوصف بأنّه موجود مثلا أو أنّه ذات أو حياة / . ولكنّه فوق هذه الأمور كلّها . بل إنّك لو أدركته وقد خلعت الكيان جانبا ، فإذا بك ممسك بالعجب العجيب . ثمّ إذا وجّهت وجهك له وحظظت بأن تصبح راتعا في مقاماته ، وعانقته بروحك بل أدركته بمسّ خاطف وأنت تشاهد عظمته بما هو بعده ومنه . / 11 ونقول ما يلي أيضا : ما دام الرّوح رؤيا وما دام رؤيا تشاهد ، فإنّه قوّة انتقلت منها قوّة إلى كونها بالفعل . وهذا يعني أنّ فيه الهيولى من ناحية والمثال من النّاحية الأخرى - كما هو الأمر في كلّ مشاهدة بالفعل - على أنّ الهيولى هنا هي الهيولى الثّابتة في عالم الرّوحانيّات . فإنّ في المشاهدة بالفعل اثنينيّة أيضا . فالرّوح قبل المشاهدة كان قائما في الوحدة إذا ، فأصبح الآن هذا الواحد اثنين على أنّ الاثنين هما واحد . هذا وإنّ الإبصار / يملؤه ما يردّه من الإحساس وكأنّه بذلك يبلغ تمامه ؛ أمّا مشاهدة الرّوح فإنّ الخير هو الّذي يملؤها . فلو كان الرّوح هو الخير ، فما عسى أن تكون حاجته إلى أن يشاهد وإلى أن يعمل بوجه الإجمال . وإن تكن للأمور الأخرى أفعالها ، فسعيا وراء الخير وبسبب الخير ، أمّا الخير فليس في حاجة إلى شيء ، ولذلك ليس لديه سوى ذاته . / فإذا نطقت بالخير إذا ، لم تفكّر بمزيد بعد ذلك لأنّك مهما أضفت إليه جعلته ناقصا بالقدر الّذي أضفته . لا تلحق به شيئا حتّى العرفان ، خوفا من أن تزيد عليه شيئا آخر ، فتجعله قائما باثنين ، الرّوح والخير . أجل إنّ الرّوح يحتاج إلى الخير ، أمّا الخير فلا يحتاج إلى الرّوح . ومن ثمّ ، فإذا حظي الرّوح بالخير لابسه الخير بمثاله ، / وأدرك بذلك كماله ما دام المثال الّذي يلابسه من الخير أتاه وجعله بالخير شبيها . وكما يشاهد رسم الخير في الرّوح كذلك ينبغي أن نتصوّر ما هو الخير حقّا في أصله مستدلّين عليه من سيماه في وجه الرّوح . / فإنّ