فلاسفة آخرين يرون أنّ الثّلاثة واحد وأنّ الحيوان بالذّات هو هو الرّوح و « المفكّر » . أو أنّ الحال هنا مثلما هو في غالب الأحيان : تختلف الآراء فيختلف التأويل في وضع أمورنا الثّلاثة .
أمّا الأمران الأوّلان فقد انتهينا من القول فيهما . ولكنّ الأمر الثّالث ما هو ؟ ما هو هذا الّذي « يفكّر » بأن يحدث ويصنع ويقسّم تلك الأمور الّتي يراها الرّوح في الحيوان بالذّات / ؟ ألا ، قد يكون المقسّم هو الرّوح من وجه ، وقد يكون شيئا غير الرّوح من وجه آخر ، وهذا جائز . فإنّه هو المقسّم من حيث إنّ المتجزّئات عنه صادرة . ولكنّه من حيث إنّه باق في ذاته لا يتجزّأ مع كون المتجزّئات ( أعني النّفوس ) صادرة عنه ، فإنّ النّفس هي الّتي تجري التّقسيم وإلى نفوس كثيرة .
ولذلك يقول أفلاطون / إنّ التّقسيم هو عمل الأمر الثّالث والأمر الثّالث محلّه ، أنّه يفكّر . فليس التّفكير عمل الرّوح ، بل هو عمل النّفس وهي صاحبة الفعل إذا تجزّأ في طبيعة تتجزّأ .
2 إنّ العلم الواحد يتقسّم إلى نظريّات جزئيّة بدون أن يتفكّك أو يتبدّد : نجد ضمنيّا في كلّ جزء العلم كلّه وقد اتّحد أوّله بآخره . كذلك يجب في المرء أن يهيّئ ذاته بحيث تكون أوائله هي هي أواخره ، فيوجّه وجهه بكلّ ما فيه جملة وتفصيلا إلى أشرف ما هو في حقيقته . / فإنّ تمّ له ذلك أصبح في العالم الأعلى لأنّه إذا أدرك هذا الأصل الأشرف غدا بالملإ الأعلى متّصلا .
3 إنّ النّفس الكلّيّة لم تتولّد في ناحية ولم تأت إلى ناحية إذ إنّها لم يكن لها محلّ تكون فيه . لكنّ الجسد جاورها فأصاب منها شيئا . ولذلك لم يحدث قطّ لأفلاطون أن يذكر أنّها في الجسد بل أنّ الجسد فيها . أمّا النّفوس الأخرى فإنّ لها أصلا وهو النّفس الكلّيّة ، كما إنّ لها محلا تهبط إليه وتتنقّل فيه وهو المحلّ الّذي تنطلق منه في ارتقائها . هذا وإنّ / النّفس الكلّيّة في الملأ الأعلى ، وهي هنالك فطرة وجبلة ، ثمّ يليها العالم الكلّيّ سواء أكان بما يجاورها منه أو بما كان منه تحت الشّمس . فإذا تحرّكت النّفس الجزئيّة إلى ما هو متقدّم عليها ذاتا أشعّ النّور عليها لأنّها آنذاك في الحقّ حلّت . وإن تحرّكت إلى ما هو متأخّر عليها ذاتا سارت إلى ما ليس هو الحقّ . وهذا ما تفعله عندما توجّه وجهها لذاتها فإنّها إذا قصدت ذاتها أحدثت ما هو بعدها ، / أعني مجرّد أثر منها وهو أثر باطل ، فكأنّها على الفراغ تسير وقد دبّ فيها الإبهام والغموض . ثمّ إنّ هذا الأثر المبهم الغامض مظلم كلّه ، ليس فيه قطّ معنى أو روح ، شتّان ما بينه وبين الحقّ .
أمّا النّفس فهي أثناء ذلك بين بين في محلّها الخاصّ . لكنّها تعود وتلتفت إلى أثرها وكأنّها تناله مرد أخرى بلحظة منها فتعمّره / بالصّورة فتسرع إليه في سرور .
4 كيف تنشأ الكثرة عن الواحد ؟ لأنّه في كلّ مكان ، وليس قطّ من مكان لا يوجد فيه فهو
تاسوعات أفلوطين — صفحة 293
مساهمون: أفلوطين
ص٢٩٣