تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
7 كلّ شيء يصدر عن مشاهدة إذا وهو مشاهدة . وهذا يصحّ على الموجود حقّا وعلى ما يتولّد عنه أثناء مشاهدته ، وقد أصبح هذا المتولّد ذاته آنذاك أمرا مشاهدا من قبيل الحسّ أو المعرفة أو الرّأي والظّنّ . ثمّ إنّ غاية العمل هي المعرفة والرّغبة فيها . كما إنّ التّولّد من المشاهدة / ينشأ منه في نهاية المطاف مثال ينهض أمرا مشاهدا آخر . ونقول أيضا بوجه الإجمال إنّه ما دام كلّ شيء تقليدا لفاعله ، فإنّه يحدث بدوره مثيلا ومشاهدات . وكذلك القول أيضا في ما يتولّد قائما بذاته : فإنّه يدل ، ما دام تقليدا للحقّ ، على أنّ غاية الفاعل من فعله ليس إحداث الفعل أو إجراء العمل ، بل شيء هو من الاكتمال بحيث يدرك / بالمشاهدة . ثم إنّ هذا الشّيء يريد الفكر أن يراه ، وقبل الفكر الإحساس إذ إنّه يسعى إلى المعرفة هو أيضا ؛ وكذلك تريد الطّبيعة أخيرا قبل الفكر والإحساس . فتحدث الأمر المشاهد الّذي تنطوي عليه مع البنية المعنويّة في حين أنّها تنشئ معنى جديدا في كماله التّامّ . كلّ هذه قضايا يدرك بعضها بالبداهة ، وكلامنا فيها هنا لينبّه إلى بعضها الآخر عن طريق التّذكّر . وهي جميعها من الوضوح على جانب لا يستهان به . / كما أنّه واضح ما يلي : وهو أنّه ما دام الكيان للأمور الأوّليّة قائما بالمشاهدة ، أصبحت الأمور الأخرى راغبة في هذا الوضع حتما ، ولا سيّما أنّ الأصل هو الغاية للأشياء كلّها . ثمّ إنّ الحيوان عندما يضع نتاجه ، إنّما يفعل لأنّ البذريّة الكامنة في باطنه هي الّتي تدفعه إلى الوضع . وهذا الوضع هو مشاهدة بالقوّة تسعى إلى أن تتحقّق فعلا ، وهو مجهود يبذل لتكثر المثل والمشاهدات ، / ولتمتلئ الأشياء كلّها بالبنى المعنويّة فتغدو المشاهدة كأنّها مكفولة أبدا . فإنّ الإحداث إنّما هو إيجاد مثال ، وهذا يعني جعل الأشياء كلّها مفعمة بالمشاهدة . أمّا العيوب الّتي تبدو في الأشياء الحادثة وفي الأعمال فسببها تحوّل المشاهد عمّا هو موضوع مشاهدته . وأقلّ ما يقال في من لا يحسن صناعته هو أنّه كمن يحدث مثلا قبيحة ؛ / كما أنّ العشّاق من القوم الّذين يرون المثال ويجدّون في طلبه . 8 والآن دونك ما هو الوجه في هذه الأمور . إنّ المشاهدة ترتفع قدرا بارتفاعها من الطّبيعة إلى النّفس ثمّ من النّفس إلى الرّوح . هذا وتكون المشاهدات أثناء ذلك في ازدياد مستمرّ من حيث اختصاصها وانفرادها بكونها مشاهدات حقّا يغدو المشاهد والمشاهد فيها واحدا . حتّى إذا انتهى بنا المطاف إلى النّفس الحكيمة الفاضلة كاد يصبح فيها المعلوم هو العالم بالذّات ، ما دام العالم يسعى / جاهدا نحو الرّوح . وإذا كان ذلك كذلك ، اتّضح لدينا أنّ الطّرفين شيء واحد في الرّوح . ولا يتمّ ذلك عن طريق الاختصاص والانفراد كما هو الأمر في النّفس الحكيمة الفاضلة ، بل عن طريق الاتّحاد بالذّات ، وبمعنى « أنّ الكيان هو العرفان » هنالك . فليس العارف شيئا والمعروف شيئا غيره ، وإلّا لمرّ الأمر إلى شيء فوق الرّوح يبطل فيه التّمايز بين الطّرفين .