تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
الخير خارجا عنهم أو ليفوتهم ، بل ليحصلوا عليه وهو نتيجة عملهم آنذاك . فإن قيل أين يكون هذا الخير ؟ قلنا : في النّفس . وحينئذ يرتدّ العمل إلى أن يكون مشاهدة إذا . فهل يكون ما يدرك في النّفس وهي معنى ، / إلّا معنى صامتا ؟ وهو كذلك بقدر ما هو معنى . فتسكن النّفس حينئذ ولا تطلب شيئا على أنّها في حال الغبطة والحبور . والمشاهدة عند من كان في هذه الحالة مستكنة في الباطن قائمة على يقين صاحبها من أنّه من المالكين . ثمّ إنّ هذا اليقين مهما ازداد وضوحا ازدادت المشاهدة سكينة وهدوءا فازدادت بالقدر ذاته الوحدة الّتي تسوق إليها . فضلا على أنّ العارف مهما / يعرف آنذاك - وهنا لا بدّ من اعتبار الأمر بعين الجدّ والاهتمام - ازداد اتّحادا بالشّيء المعروف . ذلك لأنهما إذا كانا اثنين ، غدا العارف شيئا والمعروف شيئا آخر ؛ فكأنّهما متجاوران إذ هما زوجان لم تحوّلهما النّفس إليها . فبات وضعها معهما آنذاك وضعها مع معنى تنطوي عليه وهو باق متعطّلا . فلذلك يجب في المعنى الّا يبقى غريبا على نفس من يطلب العلم ، / بل أن يتحدّ بها بحيث تجده على أنّه خاصّتها . فإذا حوّلته إليها وانسجمت معه ، لفظته وتصرّفت به . فإنّه لم يكن لديها طبعا قبل ذلك ، ولكنّها الآن تعرفه . وإذا تصرّفت به أصبحت وكأنّها غيرها ؛ ثمّ إذا اجتازته بفكرها رأته على أنّه هو شيء وهي شيء آخر . ومع ذلك فإنّها كانت هي أيضا معنى بل كأنّها روح ، بيد أنّها روح يرى / شيئا يختلف عنه . ولا غرو ، فإنّها ليست ملأى ، بل هي في الحاجة نظرا إلى ما هو متقدّم عليها ، مع أنّها ترى ، هي أيضا ، هادئة ساكنة ، الأمور الّتي تلفظها . وبعد ، فإنّ ما أحسنت لفظه لا تعود إليه لتلفظه مرّة أخرى . أمّا ما تلفظه ، فإنّما تلفظه لنقص فيها ، وهي تحاول البحث والتّنقيب ابتغاء الاطّلاع الوافي على ما لديها . أمّا في أمورها العمليّة فإنّها توفّق بين ما لديها وبين ما هو حولها في الخارج . / هذا وما دام ما لدى النّفس أعظم ممّا لدى الطّبيعة كانت النّفس على جانب أقوى من السّكينة والهدوء ؛ وما دامت الأولى أوفر مادة من الأخرى ، كانت أشدّ منها قوّة على المشاهدة أيضا . إلّا أنّه ما دام ما لدى النّفس ليس في منتهى كماله ، فهي لا تزال راغبة في الزّيادة منه : زيادة الاطّلاع على المشاهد ، وزيادة مشاهدة تكفلها النّفس لها بالبحث والتّنقيب . فتنسحب عن ذاتها آنذاك وتجول في الأمور الأخرى ، ثمّ تلبث وتعود إلى ذاتها فتشاهد بذلك الأصل / منها الّذي كانت قد غادرته ثمّ عادت فاستدركته . هذا وإنّ النّفس الّتي تبقى في ذاتها قلّما تبادر إلى هذا العمل . ولذلك نجد الحكيم وهو في حال قد انتهى معه من مطاف التّفكير : فهو مع غيره عارض ما لديه ، ولكنّه مع ذاته رؤيا لذاته . لقد خلص الرّجل من سيره إلى التّوحّد والطّمأنينة ، ولم يتمّ له ذلك مع ما حوله في الخارج فقط ، بل مع ما هو في ذاته أيضا ، فأصبح بحيث حلّ كلّ شيء عنده في الباطن . /