تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
بالذّات ، فليس بمعنى ما نقصد به عند الموجودات الأخرى . بل نقول إنّ الأمر فيه مثلما هو الإدراك عند النّائم إذا قيس إلى ما لدى المرء منه وهو في حال اليقظة . « فإنّ الطّبيعة إذا كانت ذاتها مشاهدة لذاتها / استقرّت ساكنة إذا ، لأنّ هذه المشاهدة حصلت لها من كونها باقية في ذاتها مع ذاتها وهي بذاتها أمر مشاهد . وإنّها حينذاك لمشاهدة صامتة ، يعتريها شيء من الغموض لأنّ ثمّة مشاهدة أخرى غير مشاهدة الطّبيعة وهي أشدّ وضوحا منها في الرّؤيا ؛ أمّا هي فإنّما هي أثر لتلك المشاهدة الأخرى . ولذلك كان ما ينشأ عنها في منتهى الضّعف ، لأنّها ما دامت مشاهدة ضعيفة فهي لا تحدث إلّا مشاهدا ضعيفا . / إذ الآدميّ ذاته ، إذا ضعفت المشاهدة لديه ، انصرف إلى العمل الّذي هو ظلّ للمشاهدة وللعقل . لا يسعه أن ينتهي إلى المشاهدة آنذاك بسبب الضّعف المستحكم في نفسه . كما إنّه لا يقوى على أن يدرك المشاهد إدراكا وافيا فلا يملأ ذاته به . غير أنّه ، على الرّغم من ذلك ، لا يزال راغبا في رؤية المشاهد بذاته فينصرف إلى العمل / حتى يبصر بالعين ما لم يسعه أن يعرفه بالرّوح . وأقلّ ما يقال فيه عندما يعمل ، هو أنّه يحاول أن يرى ، هو ذاته ، ما يعمل وأن يشاهده ويشعر به وأن يكفل ذلك لغيره إذا ما صحّ القصد لديه بحيث يصبح عملا . فإنّنا نجد دائما إنّ الصّنع والعمل إنّما هو ضعف في المشاهدة أو تعقّب لها . / أمّا الضّعف ففيما لو أنجز الفاعل فعله ولم يكن لديه شيء ؛ وأمّا التّعقّب ففيما لو كان للفاعل شيء آخر يشاهده وهو فوق فعله الّذي أنجزه وأعظم منه . ولعمري أيّ امرئ تيسّر له أن يشاهد الحقّ ، ثمّ آثر السّعي في طلاب إثر الحقّ ؟ على ذلك يشهد الصّبيان إذا اشتدّت بلادتهم . فإنّهم / من عجزهم عن إدراك العلوم والمعارف ، يحولون إلى الصّناعات والحرف اليدويّة . 5 هذا ما نقوله في الطّبيعة وفي كيف يكون تولّد الأشياء فيها مشاهدة . فلنقبل الآن على النّفس وهي متقدّمة على الطّبيعة ذاتا . إنّ النّفس تشاهد ، وهي تحبّ العلم وتسعى في طلبه ، وتنطلق من المعارف الّتي لديها فتجهد وتضع المعارف الجديدة ، وهي في حال الامتلاء التّامّ . هذا ما نريد أن نثبته ، كما إنّا نريد أن نثبت أيضا أنّ كلّ ذلك الّذي سبق ذكره يجعل النّفس ، وقد أصبحت هي ذاتها مشاهدة كلّها ، تحدث مشاهدات أخرى . / وتحدث هنا ما يحدث في الصّناعة : إذا اكتملت الصّناعة في حدّ ذاتها أحدثت عند الصّبيّ صناعة أخرى من نوعها ودونها قدرا . فيحصل لدى الصّبيّ أثر من كلّ شيء فيها . إلّا أنّ هذا الشّيء حينئذ على غير ما هو في أصله ، فكأنّ المشاهدات والمعارف هنا غامضة عاجزة عن أن يساند بعضها بعضها الآخر . أمّا أصل النّفس النّاطق فهو فوق ، بين الأمور العلويّة ، تملؤه / وتنشر عليه ضياءها ما دام