مقيما بينها ؛ أمّا أصلها الآخر فإنّه يستمدّ ما لديه بوساطة الاشتراك الّذي يتمّ للأصل الأوّل . فإنّ الحياة في تسلسل دائم : إنّها حياة من حياة . والقوّة بادية في كلّ مكان وليس قطّ مكان تجدها منه غائبة . ثمّ إنّ النّفس في قدومها إلى العالم الأسفل ، تدع ذلك الأصل الأوّل منها باقيا في المحلّ الّذي انسحبت منه بسقوطها . ذلك لأنّها لو فارقت / هذا الأصل مفارقة تامّة لما غدت في كلّ مكان ، بل في المكان الّذي انتهت اليه فقط . هذا فضلا على أنّ ما يقدم منها إلى العالم الأسفل لا يساوي ما يبقى منها في العالم الأعلى . فلا بدّ للنّفس من أن تكون في كلّ مكان إذا ، وليس من مكان قطّ حيث لا تكون قوّتها حاضرة ، ويختلف الأصل المتقدّم فيها عن أصلها المتأخّر دائما . ثمّ إنّ القوّة وليدة المشاهدة والعمل ، / علاوة على ذلك أنّا لا نزال هنا على مستوى ليس للعمل فيه مجال إذ إنّه ليس من شأن العمل أن يكون قبل النّظر . فإذا كان ذلك كذلك أدّى بنا الأمر حتما من مشاهدة أولى أقوى إلى مشاهدة أخرى أضعف منها ولكنّها مشاهدة دائما وعلى كلّ حال . ومن ثمّ فإنّ العمل الّذي يبدو على أنّه يتمّ بمثل ما تستلزمه المشاهدة ، إنّما هو المشاهدة في أضعف حالاتها . ولا غرو ، إذ يجب في المتولّد أن يحتفظ بجنسه دائما ، وإذا قلّ قدره من هذه النّاحية فبسبب الغشاوة الّتي أصابت معالمه بهبوطه . /
هذا وإنّ كلّ شيء يتمّ في النّفس تحت جناح الصّمت . فليست في حاجة إلى شيء يظهر لها أو إلى مشاهدة تأتيها من الخارج أو إلى عمل قطّ . إنّها لنفس وهي تشاهد . يحدث الأصل المشاهد فيها ما هو متأخّر عنها ، ما دام موجّها إلى الخارج ولو لم يكن في مقام ما هو متقدّم عليها . وجلّ ما يقال في الأمر هو أنّه مشاهدة تحدث مشاهدة ، لأنّه ليس للمشاهدة حدّ ، لا ولا للمشاهد / . وهذا ما يعلّل عمل النّفس ، كما إنّه يعلّل حضورها الشّامل . فأيّ موطن لا تكون فيه ؟ ثم إنّ الأصل المشاهد هو هو في كلّ نفس ، ليس محصورا بمقادير الكمّ . لكنّه ليس على وجه واحد في الأشياء كلّها ، ومن ثمّ ليس في كلّ جزء من أجزاء النّفس أيضا . ولذلك ورد في الحوذي « أنّه يشرك / الجوادين في ما شاهده » . فإذا ما أدركاه تنبّهت عندهما الرّغبة في ما شاهداه طبعا ، أنّهما لم يكونا ليدركاه إدراكا تامّا . ثمّ إذا دفعتهما الرّغبة إلى العمل ، انصرفا إليه لتحصيل ما يرغبان فيه ، أعني أمرا يشاهد ومشاهدة بالذّات .
6 فالعمل للمشاهدة إذا وللمشاهد . من ثم فإنّ المشاهدة هي الغاية حتّى لأصحاب العمل . فكأنّ الشّيء الّذي عجزوا عن إدراكه من الطّرق المباشرة يحاولون الحصول عليه بالطّواف من حوله . والدّليل على ذلك هو أنّهم إذا أصابوا ما كانوا يريدون استبان الأمر الّذي كانوا يسعون إليه . فما كان قصدهم أن يجهلوا مرادهم / بل أن يعرفوه وأن يروه حاضرا في النّفس ، قائما ليدرك بالمشاهدة . ثمّ إنّهم يعملون في سبيل الخير ، لا ليبقى هذا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 284
مساهمون: أفلوطين
ص٢٨٤