تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
لا يسعهم ، إذ يصنعونها من الشّمع أو الجصّ ، أن يحدثوا فيها الألوان ما لم يأخذوا هذه الألوان من غير ما يصنعونه ليضفوها عليه . مع أنّا إلى هؤلاء الصّنّاع ننظر لنتبيّن نوع العمل / الّذي تعمد إليه الطّبيعة في صنعها . فإنّه ينبغي علينا الّا نغفل عن أنّ لدى الّذين ينصرفون إلى تلك الصّناعات شيئا يبقى ثابتا فيهم لا محالة ، إليه يستندون لقيامهم بأعمالهم اليدويّة . الأمر الّذي يجعلنا ندرك في الطّبيعة شيئا من هذا النّوع إليه تعود في عملها ، وهو بمنزلة قوّة كامنة في الطّبيعة حتما ، ليس عملها عملا بالأيدي ، تبقى هي هي دائما . ذلك لأنّه لا يجوز في هذه القوّة أن تقوم بعناصر تبقى ثابتة / تارة وتتحرّك طورا . فالهيولى هي الّتي تتحرّك ، أمّا القوّة الّتي نحن في صددها ، فلا يتحرّك منها شيء . وإلّا لما كانت هي المحرّك الأوّل ولما كانت الطّبيعة هي ذلك المتحرّك ، بل الأصل غير المتحرّك الكامن في العالم الكلّيّ . فربّ قائل يقول : « بل إنّ العقل هو الأصل غير المتحرّك ، والطّبيعة تختلف عن العقل ، وهي الّتي تتحرّك » . فنجيب : / « إذا زعموا أنّ الطّبيعة تتحرّك كلّها ، فهي والعقل واحد ، وكلاهما يتحرّك ؛ أمّا إذا كان الأصل غير المتحرّك شيئا منها ، فهذا الشّيء هو العقل . ذلك لأنّه يجب في الطّبيعة أن تكون مثالا ، لا شيئا مركّبا من هيولى ومثال . فما هي حاجتها إلى هيولى ساخنة أو باردة ؟ إنّها قائمة على الهيولى وهي تصنع فيها صنعها ؛ فلا غرو ، إن حملت الهيولى هذا الكيف وهي مقبلة على الطّبيعة . أو بالأحرى لا تكون الهيولى مع الكيف أوّلا ، ولكنّها تصبح عليه بمعنى يلابسها . / فإنّ الّذي يجب فيه أن يقبل إلى الهيولى حتّى تصبح نارا ليست النّار بل معنى النّار القائم بذاته . وهذا دليل لا يستهان به على أنّ المعاني هي الأصول الفعّالة في الأحياء وفي النّبات . كما إنّ في ذلك دليلا على أنّ الطّبيعة هي معنى أيضا ، ولهذا المعنى فعله هو معنى آخر يتولّد عنه فيمدّ حامله بشيء منه ويبقى هو هو في ذاته . / أمّا المعنى المتكيّف بتكيّفات الأشكال المنظورة فهو الأخير بين المعاني ، وهو معنى جامد لم يبق لديه ما يسعه أن يحدث به معنى آخر . أمّا المعنى الّذي حصلت فيه فهو أخ لذلك الّذي أحدث الأشكال ، ولديه القوّة الّتي لدى أخيه ، فيفعل فعله في متولّدات الطّبيعة . 3 فكيف يفعل فعله إذا ، وبأيّ معنى ينال حظّه من المشاهدة وهو كذلك فاعل ؟ ألا ، ما دام يعمل وهو باق ، وما دام باقيا في ذاته آنذاك ، فإنّه معنى ، ومن ثمّ فإنّه هو ذاته مشاهدة . أجل إنّ العمل إذا تمّ ، يتمّ وفاقا لما يستلزمه معناه ، فهو شيء يختلف عن معناه إذا لا محالة . ولا شكّ في المعنى حاضر في العمل ، وهو الّذي يسيّره ، ولكنّه / ليس هو العمل بالذّات . وما دام المعنى ليس عملا ، بل معنى فقط ، فهو مشاهدة . إنّ لدينا مع كلّ معنى المعنى الأخير النّاتج عن المشاهدة أوّلا إذا ، وهو مشاهدة على تأويل إنّه شيء مشاهد . أمّا المعنى الكلّيّ الّذي يتقدّمه فهو من ناحية غيره من ناحية أخرى : بحيث لا يكون هو الطّبيعة بل النّفس من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 281 | أفلوطين