تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
شيء بعد ذلك ؛ بل يجب فيه أن يكون أوّلا ما هو عليه وفيه . فيه تتحرّك الأمور الأخرى وتسكن وهي متجانسة متساوقة . وإذا جاء الشّيء متناسقا أظهر الزّمان الكامن فيه وكشف للفكر غطاءه - ولكنّه لا يحدثه / - سواء أكان هذا الشّيء ساكنا أو متحرّكا ، ولو أنّ الأفضل فيه آنذاك أن يكون متحرّكا . فإنّ الحركة تحرّكنا إلى التّعرّف بالزّمان والتآلف معه بأشدّ ممّا يفعله السّكون ؛ فضلا على أنّ الانتباه أيسر إلى المدّة الّتي استغرقها الشّيء لدى تحرّكه منه إلى فترة سكون الشّيء ذاته وهو في حال السّكون . وهذا ما أدّى ببعضهم إلى أن يقولوا في الزّمان أنّه قياس الحركة ؛ / فغفلوا عن أنّه ما يقاس بالحركة ، فضلا على أنّهم لم يذكروا ما هو حقّا ذلك الّذي يقاس بالحركة ولم يدلّوا على ما هو ذاتا ولا يطرأ عليه عرضا . فلا غرو إن خالف قولهم ما كان الوضع عليه . ولكن ربّما لم ينطو قولهم على هذه المخالفة ، وكان قولا لم نفهمه نحن ؛ بل ربّما كانوا يعنون بالقياس الشّيء الّذي يقاس حقّا ثمّ لم ندرك نحن ما هم إليه ذاهبون . / وإذا كان ذلك منّا فلأنّهم لم يكشفوا في مؤلّفاتهم عن الزّمان ما هو في ذاته ، أهو ما يقيس أم هو ما يقاس . ولا غرو ، ما داموا وضعوا كتبهم لمن كان مطّلعا على الأمر وقد سمعه عنهم . أمّا أفلاطون فإنّه لم يذكر حقيقة الزّمان ما هي ، لا بأنّه يقيس شيئا ولا بأنّه يقاس بشيء . ولكنّه يقول في / الحركة الدّوريّة أنّها ، للدّلالة على الزّمان ، إنّما تتحرّك بحيث يكون الأقلّ منها مقابلا للأقلّ من الزّمان . وقصد الرّجل بذلك أن يمكّننا من أن ندرك الزّمان ما أعظمه في ما يوصف به وما يتّسع له . إلّا أنّه يقول في حقيقة الزّمان عندما يحاول أن يكشف عنها : أنّه حدث هو والسّماء معا على « قياس الأزل » ، وهو للأزل « أثره المتحرّك » . ذلك لأنّ الزّمان لا يبقى هو هو ما دامت الحياة الّتي يسير / معها ويجري لا تبقى هي هي أيضا . ثمّ إنّه نشأ « هو والسّماء معا » لأنّ تلك الحياة على ما وصفت به هي الّتي صنعت السّماء ، وهي هي تلك الحياة الواحدة بالذّات الّتي أنشأت السّماء والزّمان . فإذا عادت تلك الحياة إلى وحدتها ، على الافتراض أنّها على ذلك قادرة ، فما بالزّمان وهو فيها إلّا وقد بطل ، وما بالسّماء إلّا وهي منها مسلوبة . / وقد يدرك بعضهم وجود التّقدّم والتّأخّر في حياة العالم الحسّيّ وحركته ، فيقول أنّ ذلك هو الزّمان ، لأنّ ذلك إنّما هو شيء حقّا . ثمّ يقبل على حركة أخرى تفوق تلك الحركة حقانيّة ، وتنطوي هي أيضا على تقدّم وتأخّر فلا يحكم لها بأنّها شيء حقّا . وتلك منه لعمري هي الحماقة في منتهاها ! إنّه يسلّم لحركة عديمة الحياة بحصول تقدّم وتأخّر فيها ، وبزمان / يلازمها ، ثمّ لا يعترف بذلك للحركة الّتي عن طريقها وعلى مثالها تمّت الحركة الحسّيّة . ألا وإنّ وضع التّقدّم والتّأخّر من تلك الحركة خرج وبها استقام ، وهي حركة تحقّق ذاتها بذاتها . وكما إنّها هي الأصل لكلّ عمل من أعمالها فكذلك هي الأصل في توالي هذه الأعمال ، بمعنى أنّ في انبعاثهما معا من أصلها تناوب بعضها بعض . / إنّنا نعمد إلى حركة الكلّ فنعلّلها بما هو غلافها وهو فوقها ، ونقول عنها