تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
الّذين كان من شأننا أن نحدث الزّمان ، وهو في وضع / المتأخّر معنى وطبعا . وما دامت تلك الأمور تنعم في ذاتها مطمئنة ، فأوّل سؤال يخطر علينا هو كيف هبط الزّمان وبان . ربّما كنّا لا نستطيع أن نستوحي ربّات الإلهام هنا إذ أنّ العالم الرّوحانيّ كان ولمّا يكنّ هنّ . بل ربّما كان يسعنا ، مع وجود ربّات الإلهام آنذاك ، أن نسأل الزّمان الحادث ذاته كيف خرج / وظهر وكيف حدث . فيكون معنى القول فيه بما يلي : في بادئ الأمر ، قبل أن يحدث المتقدّم وإن يحدث معه المتأخّر الّذي يستلزمه ، كان الزّمان على وضع الرّاحة في الحقّ ، لا بمعنى أنّه كان حقّا ، بل بمعنى أنّه كان رائعا في الحقّ مطمئنا هو أيضا . إلّا إنّه كانت طبيعة هناك كثيرة السّعي وراء العمل ، فأرادت أن تكون هي صاحبة الأمر / في ذاتها وربّة ذاتها ، فآثرت طلب المزيد ممّا هي عليه في حاضرها . لذا تحرّكت فتحرّك الزّمان معها . فاندفعنا في حركة تجرّنا إلى مستقبل دائما مستجدّ ، إلى متأخّر لا يبقى هو هو بل يسير في تحوّل مستمرّ منه إلى غيره ثمّ إلى غيره . « فقطعنا من الطّريق ما قطعنا فأحدثنا للزّمان وهو للأزل أثره » . ثمّ إنّه كان للنّفس / قوّة لا يهدأ لها هادئ ، وهي في سعي دائم إلى تنقل ما تشاهده في الملأ الأعلى إلى محلّ آخر . إلّا إنّ النّفس لم تشأ أن يكون العالم الرّوحانيّ كلّه حاضرا إليها دفعة واحدة . بل كان مثلها مثل الزّرع وهو ساكن : تنبثق عنه بنيته المعنويّة فتجعل ذاتها ، فيما يبدو ، منبسطة في الكثرة ، فتظهر الكثرة عن طريق تجزّؤ ذاتها . فبدلا من أن تحتفظ بتوحّدها / في ذاتها تخرجه من ذاتها فتبدّده وهي تمتدّ ، وبقدر ما تمضي في سيرها ، يستحكم الضّعف فيها ويزداد . وكذلك القول في تلك النّفس . تصنع العالم الحسّيّ على مثال العالم الرّوحانيّ وتمدّه بحركة ليست حركة الرّوحانيّات لكنّها تشبهها وتريد أن تكون معها على غرار واحد . فتحدث نفسنا الزّمان أوّلا مستعيضة به عن الأزل وتجعل ذاتها أمرا زمنيّا ؛ / ثمّ تخضع للزّمان العالم الّذي تكون قد أحدثته بعد أن جعلته ثابتا كلّه ، محصورة تطوّراته كلّها في حدود الزّمان . فإنّ هذا العالم الحسّيّ ما دام يتحرّك في النّفس ( وليس لهذا العالم الحسّيّ من محلّ سوى النّفس ) ، فإنّه إنّما يتحرّك في زمان النّفس أيضا . ذلك لأنّ النّفس كانت تمدّ / العالم الحسّيّ بعملها رويدا رويدا ، ثمّ تعود وتجدّد هذا العمل شيئا فشيئا فتحدث مع قيامها بعملها كينونة الشّيء بالتّدرّج . تأتي الفكرة بعد الفكرة ويتقدّم معها ما لم تكن النّفس عليه سابقا فيظهر آنئذ ، لأنّ فكرة النّفس لم تكن بالفعل آنذاك وليست حياتها الآن مثل حياتها من قبل . فيتغيّر زمان الحياة بتغيّرها من حيث هي حياة . ولا غرو ، بعد ذلك ، إن كان تمدّد الحياة / زمانه ؛ فمهما استمرّت في سيرها خارجة عن ذاتها ، استمرّ الزّمان متجدّدا عليها ، وكان لما مضى عليها زمانه الماضي أيضا . فإن قيل في الزّمان إنّه حياة النّفس وهي تتنقّل في حركتها من حال إلى حال ، أفليس هذا القول معقولا ؟ إنّ الأزل إنّما هو حياة / ثابتة باقية هي هي وفي ما هي عليه ، ليس لها نهاية . والزّمان إنّما هو للأزل أثره حتما ، وبينهما ما بين العالم الحسّيّ