تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
العالم الرّوحانيّ ، إنّما نثبتها من حيث إنّها منبعثة كلّها من الذّات ولازمة للذّات . / فيجب في الأوصاف الأولى أن تكون لازمة للأمور الأوّليّة وفيها ، كما إنّ الحسن والحقّ من هذه الأمور وفيها . ومن هذه الأوصاف ما هو جزء من أجزاء الحقّ الكلّيّ . ولكن منها ما هو في الكلّ . كما إنّ هذا الكلّ الحقّ ليس شيئا مؤلّفا من أجزاء ، بل يحدث هو الأجزاء حتّى / يستوي بذلك وهو الكلّ حقّا . هذا وإنّ الحقيقة في العالم الأعلى ليست في توافق الشّيء مع غيره ، بل هي خاصّة الشّيء ذاته الّتي تكون حقيقته . فالواقع أنّ هذا الكلّ الحقّ ، إن يكن هو الكلّ حقّا ، يجب فيه الّا يكون الكلّ بمعنى أنّه الأشياء كلّها فقط ، بل بمعنى أنّه يقوم بذاته من غير أن يعتريه نقصان . فإذا كان كذلك ، / أصبح لا يستقبل شيئا ، إذ أنّه لو استقبل لكان فيه نقص ولما كان الكلّ حقّا . أيطرأ عليه شيء ينافي ما هو عليه طبعا ؟ فإنّه لا يناله انفعال . وما دام لا يطرأ عليه شيء فليس له مستقبل يصير إليه أو يكون عليه ، كما إنّه ليس له ماض كان فيه . أجل إنّك إذا منعت الاستقبال عن الأشياء الحادثة منعت عنها الوجود على الفور إذ إنّها منه دائما في حال الاكتساب . / أمّا الأمور الّتي ليست من جنس الحوادث ، فإذا أضفت إليها الاستقبال سحبتها من مقامها في الوجود . ولا غرو ، فهي ليست مفطورة فطرا على أن تكون ما دام لها حال من شأنه أن يتمّ لها فيما بعد ، وهي تصير إليه وسوف تكون عليه في المستقبل . فالذّات في الحادث إنّما يبدو كيانها منطلقا من بداية وهي بداية حدوثها ، / ويستمرّ حتّى يدرك نهاية مدّته وعندها ينعدم . وهذا يعني أنّ لتلك الذّات مستقبلا إذا أزيل تضاءلت بإزالته حياتها فتضاءل كيانها أيضا . وللكون الكلّيّ مستقبل كذلك ، إليه يسير . ولذلك تراه ساعيا أبدا وراء ما من شأنه أن يتمّ له ، وهو لا يريد الوقوف ما دام يسحب الكيان إليه منتقلا من عمل إلى عمل ، / مجرورا بحركة دائريّة دفعته فيها رغبته في المزيد من الذّات . وهذا يكشف لنا عرضا عن سبب تلك الحركة الّتي تسعى هكذا عندما من شأنه أن يستقبل الكيان دائما . أمّا الأمور الأوّليّة الرّاتعة في السّعادة ، فليس لها رغبة قطّ في مستقبل : هي الكلّ وقد حصلت على ما كأنّه حقّها من الحياة . / ومن ثمّ فإنها لا تطلب شيئا لأنّ المستقبل ليس شيئا بالنّسبة إليها ، وكذلك القول فيما يحلّ المستقبل فيه . إنّ ذات الحقّ كاملة شاملة إذا ؛ ولست أعني تلك الّتي تكون في الأجزاء فقط ، بل تلك الّتي لا يبقى فيها مجال للنّقصان أو لما هو ليس شيئا يطرأ عليها أيضا . والّذي يجب في الشّيء الكامل الشّامل ، ليس أن تكون الأمور كلّها / حاضرة فيه فقط ، بل أن يكون بريئا من كلّ ما هو ليس شيئا أيضا . والأزل للحقّ هو كونه في هذا الطّبع وعلى هذه الحالة . فالأزل مشتقّ ممّا « لا يزال » . 5 إنّه يسعني أن أطلق هذا الوصف على ما لحظته بالنّفس إذا ، أو بالأحرى على ما شاهدته وهو بحيث لا يطرأ عليه شيء مطلقا . وإن طرأ فليس ما شاهدته شيئا يدوم ، أو أنّه لم يتوافر له