على أنّه أجدر شيء بالإكرام ، وكذلك نقول في الحقيقة الرّوحانيّة أيضا . يسعنا أن نحكم بينهما أيّهما الأشرف بعد ذلك ( لأنّ هذا الوصف لا يجوز على ما هو فوقهما ووراءهما ) ، فيؤدّي بنا الأمر إلى الاعتقاد فيهما أنّهما شيء واحد . فضلا على أنّ العالم الرّوحانيّ والأزل يشتملان كلاهما على الأشياء ذاتها . ولكنّا نقول / عن الأوّل أنّه في الثّاني ، أعني أنّا نقول في العالم الرّوحانيّ أنّه في الأزل . كما أنّا نصف هذا العالم بأنّه « أزليّ » ، فيقول أفلاطون « إنّ القياس الأصل إنّما هو في ذاته أزليّ طبعا » . فإذا كان ذلك كذلك عنينا بقولنا هذا أنّ الأزل شيء آخر .
فضلا على أنّا نقول فيه أيضا أنّه حول الذّات الرّوحانيّة أو فيها أو حاضر معها . ولا يدلّ كون الأمرين جديرين بالإكرام كلاهما على أنّ الأوّل هو هو الثّاني . / فربّما كانت هذه الجدارة عند أحدهما من الآخر . أمّا اشتمالهما على الأشياء ذاتها ، فهو في الذّات الرّوحانيّة يتناول أجزاءها جزءا جزءا . أمّا في الأزل فإنّ الشّمول يتناول الكلّ معا ، فلا يتجزّأ الأزل بل يلزم كلّا في ذاته جميع الأمور الّتي توصف بأنها أزليّة .
وبعد ، هل يجب القول عن الأزل أنّه السّكون في العالم الرّوحانيّ / مثلما قيل عن الزّمان أنّه الحركة في عالمنا الحسّيّ ؟ ولكن يليق بنا أن نبحث في الأزل أوّلا هل يوصف بأنّه هو هو السّكون ، أوليس هو السّكون مطلقا بل السّكون الّذي يلزم الذّات . فإذا كان هو هو السّكون لزم عن ذلك أوّلا الّا نقول في السّكون أنّه أزليّ كما أنّا لا نقول في الأزل أنّه أزليّ . /
فالأزليّ هو ماله من الأزل حظّ ونصيب . ثمّ ثانيا كيف نقول في الحركة أنّها أزليّة ؟ فإذا كانت كذلك غدت باقية في السّكون . وأخيرا كيف ينطوي السّكون بمعناه على الدّوام في ذاته ؟
ولست أعني الدّوام في الزّمان بل دواما كالّذي ندركه بالعرفان عندما نذكر الشّيء الدّائم .
فإذا جعلنا الأزل قائما بسكون الذّات فقد عزلنا عنه أصناف الوجود الأخرى . / ثمّ إنّه يجب في الأزل أن نتصوّره عرفانا على أنّه ليس قائما في السّكون فقط ، بل في الوحدة أيضا . فضلا على أنّه لا يتجزّأ ، وإلّا أصبح هو والزّمان شيئا واحدا . أمّا السّكون فإنّه لا ينطوي على معنى الوحدة أو على معنى ما لا يتجزّأ ، اللهمّ إذا عنينا السّكون في حدّ ذاته ، من حيث هو سكون . وأخيرا نصف الأزل بأنّه البقاء في الوحدة ، وهذا اشتراك في / السّكون ، وليس السّكون بالذّات .
3 فمن أيّ وجه ننظر إلى العالم الرّوحانيّ كلّه إذا ، لنصفه بأنّه أزليّ وبأنّه دائم ؟ ( وما عسى أن يكون هذا الدّوام ، سواء أأخذ على أنه مع الأزل شيء واحد ، أو على أنّه من لوازم الأزل ؟ ) هل يجب في هذا العالم أن يكون شيئا على وضع الوحدة ولو أنّ معناه مؤلّف ، بوجه ما ، من عناصر كثيرة ؟ أو يجب فيه أن يكون حقيقة هي متأخّرة على الأمور الرّوحانيّة أو موجودة معها أو ظاهرة فيها ، / ولكنها هذه الأمور كلّها على كلّ حال ، على أنّها حقيقة بذات واحدة من ناحية
تاسوعات أفلوطين — صفحة 265
مساهمون: أفلوطين
ص٢٦٥