تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
أن يكون كلّ مثال جزئيّ / باقيا لديها في ذاته مع ذاته . وإذا ما شاهدت المثال الحسّيّ مولّيا بوجهه إليها مقبلا عليها ، لم تطق أن تتلقّاه وهو على عظمه وكثرته ، بل شاهدته مجرّدا من حجمه . ذلك لأنّها ليس بوسعها أن تستحيل غير ما هي عليه في ذاتها . أمّا الهيولى فليس لديها ما يشكّل فيها قطّ مناعة ، لأنّها لا تملك ما يجعلها تفعل قطّ فعلا ما دامت ظلّا ليس أكثر . / فتنتظر ريثما يجري عليها الفاعل ما يريده . والواقع هو أن ما يقدم من العقل في الملأ الأعلى إنّما يقدم حاملا في جنباته أثر ما من شأنه أن يحلّ في الهيولى . مثل ذلك مثل ما يتمّ في تصوّر خياليّ يتحرّك فيه المعنى العقليّ أو حيث تكون حركة هذا المعنى مقسّمة موزّعة . وإلّا لو كان واحدا هو هو في ذاته ، لما تحرّك بل استمرّ باقيا في ما هو عليه . لكنّ الهيولى لا تقوى / ، مثل النّفس ، على أن تتّسع إلى الأمور كلّها معا ، أو إنّها تكون حينذاك أمرا من تلك الأمور . فالوجه إذا هو أنّها تتلقّى الأشياء كلّها ، ولكنّها تتلقّاها جزءا بعد جزء . إنّها محلّ الأشياء كلّها إذا ، الأمر الّذي يستلزم فيها أن تقبل إلى كلّ شيء وأن تسعى هي إلى ملاقاته وأن تتّسع إلى كلّ مدى . فليس من شأنها أن تحصر في مدى محدود ، بل إنّها متهيّئة أبدا لكلّ ما من شأنه / أن يتمّ . وكيف لا يكون الشّيء الواحد ، إذا دخل فيها ، ليردّ الأشياء الأخرى ، ما دام ليس باستطاعة هذه الأشياء أن يتراكم بعضها فوق بعض في الهيولى ؟ ففي بادئ الأمر لم يكن فيها شيء ؛ أو إن كان ، فهنّ مثال العالم الكلّيّ . وعليه ، فإنّ الأشياء تكون كلّها معا آنذاك ، وكلّ على حياله من حيث أنّه جزء ؛ فتتقسّم الهيولى في الحيوان بتقسيم الحيوان . وإلّا لما كان شيء ما عدا / المعنى القائم بذاته . 19 إنّ الأمور الّتي تدخل الهيولى وهي لها بمنزلة الأمّ ، لا تضرّ الهيولى ولا تنفعها بشيء . أجل إنّ لهذه الأمور صدماتها ولكنّها صدمات لا تصيب الهيولى ، بل تكون من بعض الأمور لبعضها الآخر . فإنّ القوى بما يقابلها تصطدم ، لا بما هو حاملها ، إلّا إذا نظرنا إلى هذا الحامل بما استقرّ في جنباته . ففي الحرارة بطلان البرودة وفي / السّواد بطلان البياض ، أو أنّ الطّرفين يتمازجان فيخرج من تمازجهما كيف آخر . وبعد ، فإنّما يكون الانفعال في المتمازجات ، وهو في حقّها بطلان كونها في ما هي عليه . كذلك هو الأمر حتّى في الأحياء : فإنّ الانفعال يجري على الجسد ويصيب منه الكيف والقوى الكامنة فيه عندما يقع التّغيّر . / تتفكّك البنى أو يرتبط بعضها ببعض أو تحدث فيها تبدّلات وكلّ ذلك على خلاف ما يستلزمه كيانها طبعا . فتنال الانفعالات آنئذ من الجسد منالها . أمّا النّفوس فلا يدركهنّ منها إلّا الشّعور الّذي يلازم أشدّهنّ عنفا ، لأنّهنّ لا يعرفن منها شيئا ما لم يشعرن بها . هذا وإنّ الهيولى ، بين كلّ ذلك ، تبقى هي هي : لا تنفعل بالبرد إذا زال أو / بالحرّ إذا جاء ، إذ أنّه ليس بينها وبينهما محالفة أو مخالفة .