شيء على حياله لا يجرّ معه شيئا ولا يتخلّف عنه شيء لأنّها لم تتمازج . ثمّ إنّ بعضها خارج عن بعض لا بمعنى أنّها متجاورة أو أنّ البصر لا يدرك بعضها حيث يكون بعضها الآخر ، بل لأنّ العقل كذلك يقضي . / أجل إنّ الخيال هنا هو الأثر فقط ، وليست النّفس أثرا في طبعها ، ولو كان الخيال ، فيما يبدو ، يسوقها ويدفعها حيثما يشاء . ولكنّ منزلتها لا تختلف على الأقلّ عن منزلة الهيولى أو عمّا هو على قياسها . هذا وإنّ الخيال لا يحجب النّفس وإنّ لها من قواها لما تردّه به غالب الأحيان . / كما إنّه ، ولو كان ساعيا معها ، لن يجعلها محجوبة تتشكّل بخيالة :
فإنّ للنّفس في ذاتها أعمالا ومعاني تقاومه بها ، وبها تردّ عنها كلّ ما يقبل إليها . أمّا الهيولى فهي أضعف من النّفس ، أو قل إنّها من حيث القوّة دون النّفس بمراحل ؛ فليس لها شيء من الحقّ حقّا ، حتّى وإنّها لا تملك قطّ باطلا . / كما إنّها ليس لديها ما تظهر به أيضا ما دامت حرمانا من كلّ شيء ، بل بالرّغم من كونها لغيرها سببا لظهوره فإنّها لا تقوى حتّى على القول : « ها أنا ذا » .
ولكن إذا استطاع التّفكير الأصيل يوما أن يكتشفها مجرّدة عمّا هو سواها ، من بين الأشياء ، بدت له آنذاك حقّا في ما هي عليه : شيء تبرّأت منه الحقائق ، بما فيها المتأخّرة منها ذاتا ، المتشكّلة بأشكال الحقّ فقط . أي لعمري تتسلّل الهيولى بين الأشياء كلّها ، / وتبدو مع الأشياء كلّها حيثما كانت ، ولكنّها لا تكون في الواقع مع الأشياء .
16 هذا وإذا أقبل على الهيولى معنى قائم بذاته خلع عليها الكمّ الّذي يريده ، فجعلها شيئا ذا عظم إذ ألحق العظم بها من ذاته وهي ، من ذاتها ، ليست بعظيمة ، ولن تصير كذلك . وإلّا لأصبح كونها عظيمة هو العظم بالذّات . فإذا أزلنا المثال لم يكن حامله ذا عظم ولا تبدّى . بل لو / جاء الحادث وهو ذو عظم ، آدميّا أو جوادا ، وكان مع الجواد ذاته عظم الجواد مثلا ، ثمّ زال الجواد بذاته ، زال معه عظمه هو أيضا . وإذا قيل أنّ الجواد يحدث مع حجم له عظمه المحدود ، والعظم باق ، قلنا إنّ الّذي يبقى ليس عظم الجواد بل عظم الحجم . / ولنفترض أنّ هذا الحجم كان نارا أو ترابا ، فإذا زالت النّار زال معها عظمها ؛ وكذلك الأمر في التّراب وعظمه . فليس للهيولي إذا نصيب من الهيئة ، ولا من المقدار ؛ وإلّا لما تيسّر لها أن تتحوّل من أن تكون نارا إلى أن تمسي شيئا آخر ، بل تبقى نارا وهي في الآن نفسه شيء غير النّار . وها هي ذي / قد أصبحت الآن كأنّها في سعة العالم الكلّيّ . فإذا زالت السّماء بكلّ ما فيها ، انسحب عنها كل مقدار أيضا ، كما إنّه ينسحب عنها ، من غير جدال ، كلّ ما لديها من كيف أيضا . فتبقى هي في ما كانت عليه أصلا غير ناجية بحالة قطّ من الأحوال السّابقة الّتي كانت تلازمها . / أجل إنّ ما من شأنه أن ينفعل ، ينفعل إذا حضرت فيه أمور تختلف عنه ؛ ثمّ إذا زالت هذه الأمور بقي شيء منها لدى ما كان قد تلقّاها . لكنّ الوضع على غير ذلك مع ما ليس إليه للانفعال سبيل ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 259
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٩