تحقّق وجودها تناولتها الأسطورة وجعلتها / مستعطية دلالة على أنّها هي كذلك فطرة وجبلة ، فلامكان للخير فيها . فإنّ المستعطي لا يستعطي المعطي كلّ ما لديه ، بل يستحسن النّوال الّذي يناله . وهذا يعني أنّ قصد أفلاطون من أسطورته أن يدلّ على أنّ ما يظهر في « پينيا » ( الحاجة ) أنّه شيء إنّما هو أمر غير حقّ . وهي اسمها « پينيا » ( الحاجة ) بمعنى أنّها لا تعرف الشّبع . أمّا القول في اقترانها « پوروس » ( اليسار ) ، فليس قول من يعني الاقتران بالحقّ / أو بما هو الكفاف ، بل الاقتران بأمر تناسق بعضه مع بعضه الآخر ، وإنّما يكون كذلك بأحكامه وإتقانه مظهرا ليس غير . ذلك لأنّه يستحيل في ما هو دائما خارج عن الحقّ بوجه ما ، الّا يشرك في الحقّ إطلاقا ، إذ أنّ من شأن الحقّ فطرة وجبلّة أن يولّد الحقّ . غير أنّ الباطل من ناحية / لا يمتزج بالحقّ . فيؤدّي بنا ذلك إلى الأمر الغريب التّالي وهو أن يشرك في شيء ما ليس الاشتراك من شأنه ، وأن يتمّ لمن هو كأنّه الجار أن يحصل على شيء وهو بمنزلة من يستحيل عليه « فطرة وجبلة » أن يحلّ في الدّار . إنّ ما تتلقّاه الهيولى يزلّ عنها زلّة عن شيء غريب عليه مثلما هو الأمر في الصّدى مع صفائح ملس سويّة : لا يبقى فيها ، / فيظهر بذلك أنّ هناك ومن هنالك يأتي . ولو قيّض للهيولي الاشتراك ، وكانت بحيث تتلقّى المثال على نحو ما يظنّ بعضهم ، لما ردّها شيء عن أن تغمر المثال وهو مقبل عليها وتبتلعه ابتلاعا . لكنّ الواقع البيّن الواضح هو أنّ المثال لا يغمر ، بل الهيولى تبقى هي هي لا تتلقّى شيئا . فإنّها ثابتة في وجه التّقدّم ، وهي بمنزلة الحاجز ، / عنده يقف الشّيء فيرتدّ إلى أصله ؛ بل هي المحلّ القابل لما يقبل عليها ويمتزج فيها . مثلها مثل الآنية الملساء الّتي يعرّض وجهها للشّمس بغية الحصول على النّار ( وقد تملأ ماء ) : فإنّ ما يقاوم إشعاع الشمس في باطن هذه الآنية يحجز أشعة الشّمس عن اجتيازه ، فتتجمّع في الخارج . على هذا الوجه تكون الهيولى سببا لعالم الصّيرورة ، وعلى هذا النّحو أيضا يتجمّع / ما دأبه أن يتجمّع فيها .
15 أمّا ما يجلب نار الشّمس إليه ، ما دام يتلقّى الإحراق الّذي يتمّ فيه من نار حسّيّة ، فإنّه من عالم الحسّ هو أيضا وشيء حسّيّ . ولذلك نرى بوضوح أنّ ما يتجمّع فيه إنّما يأتيه من الخارج فيتوالى عليه ويقترب منه ويمسّه ، وندركه نحن في طرفيه . / أمّا المثال في الهيولى فإنّه خارج عنها بوجه آخر ، إذ أنّ قيامها طبعا في وضع المخالفة يكفي ، ولا تحتاج إلى التّحديد بطرفين .
بل قل إنّها لا تقبل قطّ حدّا ، ولها من مخالفتها لحقائق الأمور وعدم تجانسها معها على وجه الإطلاق ما يكفيها مناعة ضدّ كلّ مزيج ؛ وهذا هو أصل بقائها في ذاتها . فإنّ ما يدخل إليها / لا يفيد منها شيئا ، كما إنّها لا تفيد منه شيئا هي أيضا ، بل الحال آنذاك كحال الظّنون والتّخيّلات في النّفس . لا يختلط بعضها ببعض بل يتمايز بعضها عن بعض ، فكأنّ كلّا منها في ما هو عليه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 258
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٨