وصفناها عليه . وإلّا إذا ما أتاحت لمثال أن يدخل إليها وأصبحت باتّصالها به شيئا آخر ، فقدت كونها أمرا يختلف عن الحقائق ، ووضعها محلّا للأشياء كلّها ، قابلا لكلّ شيء مهما يكن . بل يجب أن تبقى هي هي في وجه ما يدخل إليها والّا تتأثّر بانفعال إذا خرج الشّيء منها ، / حتّى يدخل الشّيء إليها ثمّ يخرج وهي في ما هي عليه دائما . فالدّاخل الّذي يدخل إنّما هو أثر ، باطل يدخل في باطل . وهل هناك دخول حقّا ؟ وكيف يتمّ هذا الدّخول لما لا يجوز له مطلقا أن يشارك الحقّ في كيانه ، ما دام هو الكذب بالذّات ؟ أيأتي المثال وهو في حال الكذب إلى الكذب ؟
أفيكون آنذاك كأنّه يقبل على مرآة فيما لو شوهد / أثر المرئيّ في المرآة وطالما كان ثمّة من ينظر فيها قط ؟ فعند ذاك ، إن أزلنا الحقائق ، زال في كلّ لحظة كلّ شيء ممّا نراه في عالم الحسّ .
أجل ، إنّنا في مثلنا ، لا نزال نشاهد المرآة لأنّها هي ذاتها مثال . أمّا الهيولى فليست مثالا بحال ولا نشاهدها إذا ؛ وإلّا كان يجب / أن نشاهدها في ذاتها قبل أن يقبل المثال عليها . لكن مثلها كمثل الهواء : فهو لا يرى ولو أشعّ النور فيه ، لأنّه ما كان ليرى ولو لم ينتشر فيه الضّياء . وكذلك لم يكن المرئيّ ليبعث الاعتقاد بوجوده ، أو إن فعل فقليلا ، لأنّك ترى المرآة وأثر المرئيّ فيها ، وهي باقية وهو يزول . / أمّا الهيولى فلا ترى بحدّ ذاتها ، لا مع مثالها ولا بدونه . ولو كان على الأقلّ من شأن ما يملأ المرآة أن يدوم ، ثمّ لا ترى المرآة ، لما كنّا فطنّا إلى أنّ الأثر المرئيّ فيها ليس موجودا حقّا . وبعد ، إن كان في المرآة شيء ، فالمحسوس في الهيولى هو أيضا وبذات الوضع شيء . أمّا إن لم / يكن في المرآة شيء ، بل يظهر فقط أنّ فيها شيئا ، وجب القول بأنّ الأمور تظهر في الهيولى كذلك أيضا . وأساس هذا المظهر إنّما هو قيام الحقائق بذواتها . في هذا القيام بالذّات يشرك حقّا على الدّوام ما كان حقّا ، وما لم يكن حقّا لا يشرك حقّا . ولا غرو إذا وجب أن يكون الأمر كذلك في ما لم يكن حقّا ، لأنّه لو غدا هو الثّابت لما كان ما هو الحقّ عين الحقّ . /
14 ما ذا عسى أن يعني كلّ ذلك ؟ أيعني أنّه لو لم تكن الهيولى ، لما كان شيء قائما بذاته ؟
أجل ! كما إنّه لا يكون في المرآة أثر إلّا إذا كانت مرآة تقابله ، أو شيء آخر من نوعها . فإنّ ما يقوم بغيره فطرة وجبلة لا قيام له ما دام ذلك الآخر غير موجود ؛ وهذا هو بالذّات قوام الأثر ، أعني أنّه ما هو في غيره . فلو صدر الشّيء عن فاعله بمعنى أنّه مشتق منه ، لجاز أن يكون ثابتا في ذاته غير قائم في غيره . ولكن / ما دام ذلك الفاعل باقيا في ذاته ، وما دام له أثر ظاهر في غيره ، وجب بهذا أن يكون هذا الآخر بحيث يوسّع حيّزا لما ليس مقبلا عليه حقّا . فإنّ الواقع في ما يتعلّق بهذا الآخر هو أنّه أمر حاضر ملحاح كالسّائل حين يسأل ، محتاج كأنّه يلحّ في الاستعطاء وهو مخدوع لا ينال عطاء ، حتّى تبقى « پينيا » ( الحاجة ) وهي لا تزال تسأل . ذلك لأنّها حالما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 257
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٧