أخرى كثيرة . فإنّ مراده يتجاوز ما ذكرنا إلى إثبات فراغ العالم الحسّيّ من كلّ حقيقة / قائمة بذاتها واتّساع « المجال » فيه للظّنّ وللاحتمال . إنّه يفترض إذا أنّ الهيولى مع الأشكال الّتي تتشكّل بها أصل للانفعالات الّتي تتمّ في أجسام الأحياء ، وأنّه لا يحصل فيها من تلك الانفعالات شيء : فيثبت بذلك بقاءها الدّائم في ما هي عليه ، يتيح لنا أن نخرج بالنّتيجة التّالية وهي أنّ الهيولى لا يصيبها من تلك الأشكال الّتي تتشكّل بها تغيير قطّ ولا انفعال . /
فإنّ تلك الأجسام الّتي تتلقّى أشكالها ، الشّكل تبع الآخر ، قد يجوز القول فيها بأنّها تتغيّر إذ أنّ التّغيّر هنا يدلّ لفظا على تبدّل الشّكل . أمّا الهيولى ، إن لم يكن لها هيئة ولا كمّ ، فكيف يوصف حضور الشّكل فيها ، مهما كان نوعه ، بأنّه تغيّر ، / ولو أطلقت لفظة « التّغيّر » عن طريق الاشتراك بالاسم فقط ؟ وإذا ادّعينا ، في هذا الصدد ، « أنّ اللون إنّما هو أمر وضعيّ وليد الاتّفاق وكذلك هي الصّفات الأخرى » أيضا ، فإنّ ادّعاءنا يتنافى مع المعقول ما دمنا نعني به أنّ الطّبيعة الحاملة ليست في ما ألفنا أن نظنّها عليه . وإذا قيل : كيف ندّعي في الصّفات أنّها حاصلة لدى الهيولى ما دمنا لا نرضى بكون تلك الصّفات أشكالا في الهيولى ؟ أجبنا : إنّ في افتراض أفلاطون / الدّليل الكافي على أنّ الهيولى بوسعها أن تكون بدون انفعال ، وعلى أنّ حضور ما يبدو منها كأنّه ارتسام إنّما هو ارتسام ليس حاضرا حقّا .
هذا وينبغي علينا أن نعود إلى الحديث حول براءة الهيولى من الانفعال . يجب أن ندلّ على كيف ينبغي أن نؤوّل ما عوّدنا الكلام عليه في استعماله لإثبات الانفعال عندها . / يقول أفلاطون فيها مثلا أنّها « هي ذاتها يابسة ، نار تضطرم ، تتخلّلها الرّطوبة » . على أنّه يجدر بنا أن نذكر أيضا قوله فيها « أنّها تتلقّى أشكال الهواء والماء » . ذلك لأنّه بقوله « أنّها تتلقّى أشكال الهواء والماء » ، يخفّف من وقع قوله « أنّها نار تضطرم وإنّ الرّطوبة تتخلّلها » . كما أنّه يدلّ بقوله « تتلقّى الأشكال » / على أنّها لا تتشكّل هي هي بالشّكل بل على أنّ الشّكل كأنّه داخل إليها . ولا يعني بقوله أيضا « هي نار تضطرم » إنّها تضطرم حقّا وفعلا بل إنّها أصبحت نارا . وليس معنى العبارة « أصبحت نارا » هو هو معنى « الاحتراق بالنّار » . فإنّ ما يحترق بسبب شيء آخر ، فيكون محلّا للانفعال آنذاك . أمّا ما كان جزءا من نار ، فكيف يحترق ؟ وقول من / يذهب إلى أنّ النّار تحرق الهيولى فضلا على أنّها تجتازها ، مثل قول من يدعي في شخص التّمثال مثلا أنّه يجول في القلّز ويجتازه . وبعد ، إذا كانت النّار المقتربة من الهيولى معنى قائما بذاته فكيف تحرق النار الهيولى ؟ وفيما لو كانت النار شكلا ، فكيف تحرق الهيولى ؟ ألا إنّ ما يحترق إنّما يحترق بشيء موجود وهو مركّب من الطّرفين ( الصّورة والهيولى ) . ولكن كيف ينشأ ذلك عن الطّرفين ولمّا يخرج منهما شيء قائم في وحدته / ؟ ألا ولنفترض أنّ الوحدة قد تمّت ، فإنّ الانفعال لا يقع بين طرفيها ، بل إنّ الطّرفين يشتركان في الفعل على غيرهما . وهل يفعل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 255
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٥