كيانها من قدوم المثال إليها ، مهما كان نوعه : لا يجعلها قدوم المثال في ما هي عليه ، ولا ينقصها قطّ بانسحابه منها ، بل تبقى في ما كانت عليه من أصلها . فالتّحسين أمر قد يحتاج إليه ما هو مفتقر إلى تحلية وترتيب . وقد تتمّ التّحلية بدون تغيّر في المحلّى مثلما هو الأمر / في ما نخلع عليه الحلى خلعا . أمّا إذا كان التّحسين بحيث إنّه من لوازم الفطرة ، وجب في ما كان قبيحا أوّلا أن يتغيّر لا محالة ، فيختلف عنه بعد أن أصبح شيئا محلّى ويتحوّل بذلك منه قبيحا إليه حسنا . وعليه ، فإذا كانت الهيولى قبيحة ثمّ أصبحت حسنة زالت بزوال ما كانت عليه من القبح أوّلا . ويعني هذا أنّها / بتحليتها فقدت كيانها من حيث إنّها هيولى ، لا سيّما إن لم يكن قبحها مجرّد عرض فيها . ولكن لو كانت قبيحة بمعنى أنّها القبح بالذّات لما وصلها حظّها من الحسن والتّنسيق ، كما إنّها لو كانت شرّيرة بمعنى أنّها الشّرّ بالذّات لما وصلها حظّها من الخير . ومن ثمّ فليس اشتراكها مع المثل في وجودها عن طريق كونها منفعلة ، كما ظنّ بعضهم ، بل إنّه اشتراك يبدو كذلك وهو في الواقع من نوع آخر . / وربّما كان في هذا الوجه من التّأويل حلّ المشكلة التّالية أيضا وهي : كيف ترغب الهيولى وهي الشّرّ في الحصول على الخير مع أنّها بالرّغم من اشتراكها في الخير لا تفقد ما كانت عليه في ذاتها . فإذا كان الاشتراك الّذي ذكرناه على هذا الوجه الّذي شرحناه ( أعني أنّ الهيولى حينئذ تبقى هي هي ولا تتغيّر ، كما قلنا ، بل تكون دائما في ما هي عليه ) زالت الغرابة عن سؤالنا / في كيف تشارك الهيولى الخير في وجوده وهي شرّيرة . فإنّها لا تخرج عن ذاتها ؛ لكن ما دام هذا الاشتراك لا بدّ منه حتما فهو يتحقّق لها على نحو ما إلى الّذي تكون عليه هي هي في ذاتها . وما دام هذا النّوع من الاشتراك يحفظ لها كيانها في ذاتها ، فإنّ ما يمدّها كذلك من ذاته لا يمسّها قطّ في كيانها الذّاتيّ . ونتيجة الأمر هي أنّ الهيولى / لا تصبح أقلّ شرّا ممّا كانت عليه لأنّها تبقى حينذاك دائما في ذلك الّذي هي عليه .
فلو شاركت الخير في وجوده حقّا ولو أحدث الخير فيها تغيّرا حقّا ، لما كانت شرّيرة فطرة وجبلّة . وإذا كان ذلك كذلك ، كان وصف الهيولى بالشّرّ وصفا صادقا ما دام يعني أنّ الخير لا يؤثّر فيها . وهذا لعمري يعني أنّه ليس للانفعال إليها سبيل على وجه الإطلاق . /
12 هذا هو على الأقلّ رأي أفلاطون في الهيولى . فإنّه لا يرى في الاشتراك وضعا كوضع مثال يحلّ في حامل ويعمّره بالصّورة . فينشأ عن ذلك شيء مركّب من الطّرفين وقد تغيّرا معا وكأنّ أحدهما امتزج بالآخر فأخذا يتفاعلان . أراد أن ينفي هذا المعنى عن قوله إذا ، ويبيّن كيف تحصل المثل / في الهيولى وهي باقية على حالها لا تنفعل ما دامت تسعى مقيّدة بطريقة الاشتراك عن غير انفعال . وليس من اليسير أن تثبت بوجه آخر أمورا لا جدال في وقوعها تحفظ لحاملها كيانه في ذاته . هذا وإنّ سعي أفلاطون في إثر ما يريده ، يؤدّي به إلى إثارة مسائل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 254
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٤