الهيولى وهي بكيف . وإذا انسحبت هذه الصّفة الثّانية / بدورها وتخلّف شيء منها عن فعلها ، غدا الحامل الهيولانيّ على جانب أقوى أيضا من حيث التّغيّر . وإذا مضت سائرة كذلك في هذا الاتّجاه ، أصبح الحامل شيئا غير الهيولى ، وهو آنذاك شيء كثير الوجوه كثير المثل . ولا سبيل الآن إلى وصف هذا الحامل بأنّه المحلّ القابل لكلّ الصّفات وقد أصبح بحيث أنّه يمنع الدّخول عليه للكثير منها . كما إنّه لا يصحّ في الهيولى أن يقال عنها أنّها لا تزال باقية ، / ولا يصدق القول فيها أنّها غير فاسدة إذا أيضا . ومن ثمّ ، إذا وجب الوجود للهيولي ، فإنه يجب أن تكون هي هي بذاتها في مثل ما كانت عليه بأصلها . والقول بتغييرها إذا إنّما هو ، على الأقلّ ، قول قوم لا يحفظون للهيولي كيانها الخاصّ بها . وبعد ، فإنّ القاعدة العامّة في كلّ متغيّر أن يبقى ، إذا تغيّر ، على مثاله الأصليّ ، فيتغيّر بأعراضه ولا يتغيّر بما / هو في ذاته . فإذا وجب بقاء المتغيّر إذا ، وكان ما يبقى منه غير ما ينفعل فيه ، أصبحنا أمام أمرين : أو أنّ الهيولى تتغيّر فتخرج عن ذاتها ، أو أنّها لا تخرج عن ذاتها فلا تتغيّر . وإن قيل أنّها لا تتغيّر من حيث كونها هيولى ، أجبنا أنّ هذا القول لا يدلّ أوّلا على ما تتغيّر إليه ، / وهو ثانيا اعتراف بأنّ الهيولى ، ما دامت كذلك لم تتغيّر هي في ذاتها . إنّ الأمور المخالفة للهيولي والّتي هي في ذواتها أصول مثاليّة لا تتغيّر قطّ ذاتا ، ما دام قوام الذّات لديها في أن تكون أصولا مثاليّة . وكذلك الأمر في الهيولى أيضا : فإنّ كيانها على أنّها هيولى بكيانها من حيث إنّها هيولى . من حيث إنّها هيولى لا تتغيّر هي أصلا / ، بل تبقى في ما هي عليه . وكما أنّ الأصل المثاليّ هنالك لا يقبل التّغيّر لأنّه أصل مثاليّ في ذاته ، فكذلك هنا أيضا : إنّ الهيولى في ذاتها لا تقبل التّغيّر هي أيضا .
11 هذا ما يذهب إليه أفلاطون ، فيما أظنّ ، حيث يتكلّم عن « دخول أشباح الحقائق وخروجها » . وفي كلامه عين الصّواب . فإنّ هذا القول « بالدّخول وبالخروج » ليس قولا عبثا ، بل يريدنا أفلاطون أن نفهم عنه ما يعني هنا بوقوفنا الصّحيح على وجه اشتراك الهيولى مع المثل في وجودها . وأخشى على هذه المشكلة / ( أعني كيف تشرك الهيولى مع المثل في الوجود ) الّا تكون على ما تصوّرها الكثيرون من أسلافنا . فليس السّؤال هنا : « كيف تأتي المثل إلى الهيولى » ؛ بل بالأحرى : « كيف تكون تلك المثل في الهيولى » . والغريب حقّا ، فيما يبدو ، هو أنّه كيف يكون المثال حاضرا ثمّ تبقى الهيولى هي هي ولا تتأثّر به على كون بعض المثل الّتي تعمّرها آنذاك / في تفاعل مستمرّ مع بعضها الآخر . كما أنّ الغريب في الأمر أيضا هو أنّ كلّ مثال يدخل يطرد ما كان قبله وأنّ الانفعال لا يكون إلّا في المركّب . ثمّ لا يتمّ ذلك في كلّ مركّب ، بل في المركّب الّذي يحتاج إلى شيء يقبل إليه وإلى شيء ينسحب منه . فالنّقص في البنية آنذاك بغياب الشّيء منها واكتمالها بحضوره فيها . أمّا / الهيولى فلا تفيد قطّ زيادة في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 253
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٣