7 ولكن يجب أن نعود الآن إلى الهيولى حاملة الأجسام ، وإلى ما ذكر ممّا هو قائم عليها .
وسيتّضح لنا من هذا البحث أنّ الهيولى هي العدم وأنّه ليس للانفعال إليها سبيل . إنّها لا جسم لها ما دام الجسم متأخّرا عنها وهو مركّب تحدثه هي وقد اتّصلت بشيء آخر . لقد وصفت بمثل / ما يوصف الوجود على أنّها بريئة من الجسميّة لأنّ كلا الأمرين ، الوجود والهيولى ، يختلفان عن الأجسام . لكنّها ليست نفسا أو روحا أو حياة أو مثالا أو عقلا . كما أنّها ليست معنى معنيّا وهي الغموض بالذّات ؛ وليست قوّة أيضا : فما عسى أن يكون فعلها ؟ هي مجرّدة من هذه المقامات كلّها ، ولا يصدق عليها اسم الوجود ، / بل عدم الوجود أحرى بها وصفا . ولا توصف بالعدم مثلما توصف الحركة به أو السّكون ، بل إنّها العدم حقّا ؛ أثر الكمّ وخياله ، مجرّد رغبة في القيام بالذّات ، جمود في غير سكون . لا ترى في ذاتها ، مفلتة ممّن يحاول إدراكها ؛ هي حاضرة لدى من لا ينظر من جهتها ، / فإذا حدّق إليها فاته مرآها . تنطوي في جنباتها على أطياف المتناقضات : الصّغير والكبير ، القليل والكثير ، النّقصان والزّيادة . ليست أثرا يبقى ، وليس لها من القوّة ما يضمن لها الفرار . فإنّها لا طاقة لها بذلك ما دامت لم تتلقّه من لدن الرّوح إذ إنّها محرومة من الوجود مطلقا . / ولذلك تراها كاذبة في وعودها كلّها : تتوهّمها كبيرة ، فإذا بها صغيرة ؛ وتتخيّلها شيئا عظيما ، فإذا بها شيء حقير . إنّ الوجود الّذي تتصوّره لديها ليس وجودا بل كأنّه الهوّة لمّاحة لا تقيم . ومن ثمّ كان ما يبدو طارئا عليها الهوّة تلهينا ، وهو أثر يحلّ في أثر على وجه الاتّفاق ، كما هو الأمر في المرآة حيث يكون الشّيء المرئيّ / في مكان وأثره المرئيّ في مكان آخر ، فتظّنها ممتلئة وهي لا شيء فيها ولو بدت حاوية على الأشياء كلّها . « فإنّ ما يدخل إلى الهيولى ويخرج منها إنّما هو تقليد للحقائق » ، بل هو آثار تقع على أثر لا شكل لها ، فيراها الرّائي في الهيولى لأنّها هي ذاتها لا شكل لها . ولقد تظنّ أنّ لتلك الآثار عملها في الهيولى ، ولكنّه عمل لا يخرج منه شيء / : فهذا « التّقليد للحقائق » أمر زائل ، واه ، ليس فيه مناعة . بل ما دامت الهيولى هي ذاتها لا مناعة لها ، فإنّ تلك الآثار الّتي تطرأ عليها تقطّعها بدون أن تحوّلها إلى قطع ، فكأنّها تجتاز ماء أو هي مثل الأشكال في الفضاء الفارغ فيما لو أرسل بعضهم أشكالا في ما يقابل الملأ ونسمّيه الخلاء . ومع ذلك ، فلو كانت تلك المرئيّات في الهيولى من نوع الأمور الّتي جاءت منها إلى الهيولى ، لكنّا نسلّم بأنّ شيئا من القوّة تسرّب إلى آثارنا المرئيّة . / فتكون فرضا قد استمدّت هذا الشّيء من الأمور الّتي بعثت بها إلى الهيولى ، وهو وضع يتيح لنا أن نتصوّر الهيولى منفعلة بتلك الأمور . لكنّ الواقع هو أنّ ما يحدث الأثر في الهيولى شيء ، والأثر المرئيّ فيها شيء من نوع آخر ، والأمر الّذي ينبّهنا إلى أنّا أمام انفعال كاذب ، ما دام الأثر المرئيّ النّاتج عنه كاذبا وهو لا شبه قطّ بينه وبين الشّيء الّذي أحدثه . وما دام هذا الأثر أثرا واهيا ، كاذبا ، باعثا على الكذب ، / فشأنه شأن ما يرى في المنام وما ينعكس
تاسوعات أفلوطين — صفحة 250
مساهمون: أفلوطين
ص٢٥٠