6 إنّ الذّات الرّوحانيّة هي برمّتها في مقام المثال إذا ، وقد أثبتنا هنا وجوب الاعتقاد في براءتها من الانفعال . ولكن ما دامت الهيولى هي أيضا أمرا لا جسم له ، ولو كان من وجه آخر ، وجب أن نتبيّن في شأنها أيضا ما هو الوضع الّذي تقوم عليه . فينبغي أن نتساءل إذا فيما إذا كانت منفعلة ، كما يزعمون ، تتداولها التّغييرات من كلّ صوب وجانب ، / أم يجب أن نتصوّرها على أنّها بريئة من الانفعال . وعند ذلك ، ما هو الوجه الّذي تكون عليه هذه البراءة من الانفعال . هذا وما دمنا مقبلين على البحث في الموضوع ، وأصلين إلى الكلام حول حقيقة الهيولى من أيّ نوع هي ، لا بدّ من أن ندرك أوّلا أنّ حقيقة الموجود وأنّ الذّات والوجود ، ليس كلّ ذلك في ما يتصوّره معظم النّاس عليه . فإنّ الموجود الّذي يصحّ عليه / القول بأنّه موجود حقّا ، هو الموجود الحقّ . أعني أنّه الموجود وجودا تامّا ، لا ينقصه من الوجود شيء . وما دام قائما في الوجود التّامّ فإنّه ليس في حاجة إلى شيء لحفظه وكيانه ، بل إنّه ، في حقّ الأمور الأخرى الّتي تزعم موجودة ، هو سبب وجودها المزعوم . وإذا كان في قولنا الصّواب ، وجب أن يكون ذلك الموجود متمتّعا بالحياة وبالحياة التّامّة / وإلّا لكان ناقصا ، وليس أحرى به أن يكون موجودا من أن يكون غير موجود . فإذا كان ذلك كذلك ، أصبح الموجود الّذي نعنيه إنّما هو الرّوح والحكمة المطلقة ؛ وهو شيء معيّن ، واضح الخطوط والمعالم إذا ، لا يكون شيء بقوّته وهو عدم ، وليست قوّته قوّة بالكمّ والمقدار ؛ وإلّا لكان قصير الباع . ومن ثمّ فإنّه القديم والباقي في ما هو عليه دائما ، ممتنع على كلّ شيء ، وليس من شيء لينتهي إليه . فإذا تلقّى شيئا تلقّى / ما هو غريب عليه أعني ما لا وجود له . يجب إذا أن يكون هو الموجود المطلق ، فإذا جاء إلى الوجود كان له من ذاته كلّ شيء : فهو الأشياء كلّها معا وهو هذه الأشياء كلّها على أنّها واحد . وما دمنا نعرّف الموجود بهذه الأوصاف - ( هذا أمر لا بدّ منه ، وإلّا لما كان الوجود أصل الرّوح والحياة ، بل أصبح الأمران من زوائد الوجود ولم يكونا من الوجود . / فضلا على أنّ الوجود لا يكون حياة ولا روحا آنذاك ، ما دام الرّوح والحياة لدى ما هو العدم حقّا . فكأنّه يجب فيهما أن يستويا في المقام الأسفل وفي ما هو متأخّر عن الوجود . والواقع هو أنّ المتقدّم على الوجود يمدّ الوجود بهما ، ما دام هو ذاته ليس في حاجة إليهما ) - نقول إذا / : ما دام الموجود كذلك فليس جسما وليس حاملا للأجسام حتما ، بل أن الوجود في حقّ الأجسام وما إليها إنّما هو وجود العدم حتما أيضا .
ولكن كيف يقال في طبيعة الأجسام أنّها ليست موجودة ، بل كيف يقال ذلك في الهيولى وعليها تقوم الأشياء من جبال وحجارة ، ثمّ الأرض كلّها بصلابتها ، والأشياء المتميّزة بمقاومتها تكره ما تصدمه بصدماتها / على الاعتراف بوجودها . بل ما عسى أن نجيب القائل إذا قال :
كيف يكون موجودا ما لا نشعر منه بضغط أو بصدام أو بمقاومة ، حتّى وإنّنا لا نراه ، وهو النّفس
تاسوعات أفلوطين — صفحة 248
مساهمون: أفلوطين
ص٢٤٨