والرّوح . أجل كيف يكون هو الموجود حقّا ؟ ثمّ إذا قصّرنا النّظر على الأجسام أيكون الأشدّ حركة والأخفّ ثقلا بينها أحرى بالوجود من الأرض وهي ساكنة ، ويكون العالم الأعلى أحرى بالوجود من عالمنا ؟ وأخيرا / أتكون النّار هي الأجدر بالوجود لأنّها تبادر إلى الفرار من عالم الأجسام ؟ الوجه هنا ، فيما أظنّ ، هو أنّ الجسم مهما كان مكتفيا بذاته قلّ ضغطه وخفّت وطأته على غيره . أمّا إذا ازداد ثقلا والتصاقا بالأرض فإنّه يضعف فيهوى فيصدم صدما بهبوطه ومقاومته ، وذلك بقدر ما يكون ناقصا ماضيا في هويه لا يقوى على النهوض بذاته . / فإنّ أشدّ الأجسام ألما في صدمها هي الهامدة منها : ما أعنف صدمتها وما أعظم ضررها . أمّا الأجسام الّتي تعمّرها النّفس ، فإنّ لها في الوجود منزلتها ، وبقدر ما يصلها منه نزداد نحن ارتياحا إلى جوارها . فكأنّ الحركة نوع من الحياة منحتها الأجسام ؛ وما دامت تقليدا للحياة ، / فإنّها أشدّ في ما قلّ جسمه ، كما لو أنّ الوجود إذا غادر شيئا جعل ما يغادره أعظم جسما . وقد يزداد الأمر وضوحا فيما لو نظرنا إليه من ناحية الانفعالات الّتي مرّ ذكرها : فمهما يعظم قدر الجسم يعظم قدر الانفعال أيضا . إنّ الأرض مثلا أشدّ انفعالا من غيرها ودواليك مع الأمور الأخرى باعتمادك على القياس ذاته . / ذلك لأنّك إذا قطعت جسما تجمّعت بعض آرابه إلى بعضها الآخر وعادت شيئا واحدا ما لم يحل بينها وبين ذلك حائل . أمّا إذا قطعت مدرة بقي ما قطع كلّ على حياله مطلقا . إنّ الشّيء إذا خارت قواه طبعا أصبح يهون على كلّ لطمة ولو صغرت ، فكأنه يتصدّع منها ويغدو شتيتا ، وكذلك الأمر في ما صار عليه أعظم ما يكون جسما ، أي على أشدّ ما يكون قربا من العدم / : فإنّه عاجز عن استدراك ذاته وعودته إلى وحدته . أجل إنّ في الصّدمات العنيفة والشّديدة إتلافا للأجساد ، ولكنّه عمل من بعض الأجساد على بعضها الآخر : فإذا وقع الضّعيف على الضّعيف صار قويّا في جانبه ؛ وكذلك الأمر في سقوط العدم على العدم .
كلّ هذا الكلام إنّما هو ردّ إذا على الّذين يجعلون الحقّ في الأجسام / مدّعين ضمان وجوده بشهادة الأشياء متصادمة وبخيالات الحسن . فما أشبههم لعمري بالّذين يحلمون في نومهم ويعتقدون في ما يرونه حينئذ أنّه الحقّ بالذّات وهو رؤيا منام . فإنّ الإحساس هو حالة النّفس ما دامت نائمة ، وهي نائمة من ناحية ما هو منها مقيم في الجسد ، / وهي في حال اليقظة حقّا إن أفاقت حقّا من الجسد ، لا مع الجسد . أعني أنّ الإقامة مع الجسد إنّما هي تحوّل من نوم إلى نوم آخر ، كأنّا ننتقل من مضجع إلى مضجع غيره . وإنّما نفيق حقّا إذا انتفضنا انتفاضا عن أجسادنا ، وهي مع النّفس على طرفي نقيض من حيث الذّات ما دامت مع النّفس على طرفي نقيض من حيث / الطّبع والفطرة . ويشهد على ذلك في الأجسام كونها وجريها وفسادها ، وكلّها أوضاع جاء الحقّ منها في براء طبعا .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 249
مساهمون: أفلوطين
ص٢٤٩