تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وصفنا كيف يكون كلّ انفعال على حياله . ولكنّ الموضوع يقتضي زيادة شرح غايته الأولى / أن ندرك ما عسى أن يكون ذلك الذي نسمّيه أصل النّفس المنفعل . وتطلق هذه التّسمية على ما تبدو الانفعالات متجمّعة حوله ، وهي لدينا كلّ ما يتبعه لذّة أو ألم . ثمّ من الانفعالات ما ينشأ عن الظّنّ : كأن يظنّ المرء مثلا أنّه مائت لا محالة فيملكه الخوف ، أو أنّه قادم على خير يتوقّعه فيفرح . فللظنّ آنئذ محلّه ، / وللانفعال المتحرّك محلّ آخر يختلف عن الأوّل . ومن الانفعالات ما يكون أيضا بحيث أنّه يبادر هو ذاته إلى الانبعاث مستقلّا عن الإرادة ، فيحدث الظّنّ في ما كان من النّفس مفطورا على التّظنّي . وقد مرّ بنا في ما يتعلّق بقوّة التّظنّي أنّ الظّنّ لا يحدث فيها تغييرا . ولكنّ الخوف النّاشئ عن الظّنّ والّذي يأتي من فوق منبعثا من الظّنّ ، / هو الّذي يشكّل شيئا كأنّه الإدراك في جانب النّفس الّذي نقول عنه أنّه يخاف . فما هو تأثير هذا الخوف ؟ اضطراب وفرق من شرّ نتوقّعه ، فيما يقولون . لا شكّ في أنّ هذا التّصوّر قائم في النّفس : التّصوّر الّذي نسمّيه الظّنّ أوّلا ، والتّصوّر النّاشئ عن الظّنّ ثانيا . على أنّ هذا التّصوّر الآخر / يبطل أن يكون ظنّا عند ذاك ، بل إنّه في المقام الأسفل من النّفس ، وهو بالظّنّ المبهم والتّصوّر الغامض أشبه . ثمّ إنّ في الطّبع طاقة على العمل من هذا النّوع ، وهي منسجمة مع الأفعال الّتي يفعلها كلّ فرد جزئيّ ، فيما يقولون ، بدون تصوّر سابق . فإنّ التّأثيرات من هذا القبيل هي الّتي ينشأ منها الاضطراب المحسوس في الجسد ، من رجفة وهزّة وامتقاع لون / ووعي في النّطق . ولكنّا أصبحنا مع هذه التّأثيرات ، في ما ليس هو جزءا من النّفس . وإلّا لحكمنا في هذا الجزء أنّه جسديّ ما دام ، اللهمّ ، ينفعل بتلك الانفعالات . لا بل أصبحت تلك التّأثيرات لا سبيل لها إلى الجسد ؛ إذ أنّ الأصل الّذي يرسل آنذاك غير قادر على الإرسال بعد أن أمسكه الانفعال عن العمل وخرج هو ممّا هو عليه في ذاته . / ولكنّ الواقع هو أنّ هذا الجزء من النّفس ، أعني الأصل المنفعل ، ليس جسما بل هو مثال . مع العلم أنّ الهيولى هي المحلّ لقوّة الشّهوة ، وللقوّة المشرفة على تغذية الحيوان ونموّه وتولّده . وهذه القوّة هي الأصل والمنبع الّذي منه تنبعث الشّهوة ، وهي مثال جانب النّفس المنفعل . ولا يجوز قطّ في المثال أن يطرأ عليه اضطراب ، / بل يبقى ساكنا . إنّما هيولاه هي الّتي تصبح في الانفعال إذا وقع ، وذلك بحضور المثال الّذي يحدث الحركة . ذلك لأنّ القوّة النّباتيّة ليست هي الّتي تنبت عندما تخرج النّبتة ، كما إنّها ليست هي الّتي تنمو عندما تدفع النّبت في النّمو . والمحرّك ، إجمالا ، إذا حرّك لا يتحرّك مع الحركة الّتي يحرّك بها ، وإلّا لما تحرّك مطلقا . أو إنّ له نوعا / آخر من الفعل والحركة . ينبغي في حقيقة المثال ذاتها أن تكون هي فعلا إذا : تحدث فعلها بمجرّد حضورها مثلما تحدث النّغمة الموسيقيّة من تلقاء ذاتها ذبذبة الأوتار . وبعد ، فليكن أصل النّفس المنفعل هو سبب الانفعال سواء أكان التّحرّك النّاشئ عنه منبعثا من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 246 | أفلوطين