تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
أو إن شئنا فلنقل أنّ الخضوع للعقل أمر كأنه الرّؤيا . فإنّ الرّائي لا يتشكّل بهيئة المرئي ، بل يرى وهو الرّائي بالفعل في حين أنّه يرى . مثل ذلك مثل ما يتمّ في الابصار : فهو هو ذاتا بالقوّة ثمّ بالفعل . ليس فعله تبديلا له ، / بل إنّه يقبل فورا على ما هو غرضه ذاتا ، فيصبح إبصارا ويدرك بدون أن ينفعل . كذلك الأمر في ملكة التّفكير من حيث توافقها مع الرّوح : فإنّها ترى ، وهذا عندها قوّة العرفان ، وليس انطباعا حدث فيها . ثمّ إنّ ما تراه هو لديها وليس لديها : هو لديها من حيث إنّها تعرفه ، وليس لديها لأنّه / لا يتخلّف فيها من المشهود شيء ، مثلما هو الحال مع الصّورة الّتي تنطبع في الشّمع . يجب أن نذكر ما قلنا من أنّ المحفوظات في الذّاكرة ليست وليدة انطباعات رسبت في النّفس ، بل النّفس إذا ذكرت نبّهت فيها قوّتها بحيث إنّها تحصل على ما ليس حاضرا لديها . ما ذا إذا ؟ ألم تكن النّفس قبل أن تذكر غير ما أصبحت عليه عندما / تذكر ؟ - أصبحت غير ما كانت عليه ، إن شئت . ولكن أقلّ ما يقال حينئذ هو أنّها لم يتبدّل فيها شيء ، إلّا إذا ادّعينا أنّ خروجها من القوّة إلى الفعل تبديل . والواقع أنّها لم يرد عليها شيء من الخارج ، بل حقّقت بالفعل ما كانت عليه في فطرتها . فإنّ الأفعال ، في الأمور غير الهيولانيّة ، إنّما تتمّ إجمالا بدون أن يطرأ عليها تبديل ، أو اضطررنا إلى القول بأنّها تفسد ، مع أنّها أشدّ / ما احراها بالبقاء . ثمّ إنّ الانفعال من شأن الفاعل مرتبطا بالهيولى ، بل إذا كان بدون هيولى وانفعل ، فليس لديه ما يكفل به بقاءه . مثل ذلك مثل ما يتمّ في المشاهدة حيث تنصرف ملكة الابصار إلى فعلها ، ثم لا ينفعل إلّا العين . ويصحّ على الآراء ما يصحّ على المشاهدات . وملكة الغضب ، كيف يكون فيها الجبن تارة والشّجاعة طورا ؟ ألا إنّ الجبن / يكمن بتحويل النّظر عن العقل ، أو بالنّظر إلى العقل وهو فاسد ، أو بفقدان أدوات العمل أيضا ( كأن يصعب علينا الحصول على أجهزة الجسد ، أو نحصل عليها وقد صدئت ) ، أو بحائل يمنع عن العمل أو بعدم التّحرّك عند التّهيّج . والشّجاع شجاع بما كان على خلاف ما ذكرنا . وليس في كلّ ذلك تبديل أو انفعال . / أمّا قوّة الشّهوة ، فإن استرسلت وحدها في فعلها أحدثت ما نسمّيه الشّره . والواقع هو أنّها تفعل وحدها كلّ شيء ، ولا تكون أجزاء النّفس الأخرى معها . على أنّه من شأن هذه الأجزاء إذا كانت حاضرة ، من حيث كونها حاضرة ، أن تكون صاحبة الأمر والنّهي وأن تردّ قوّة الشّهوة إلى الصّواب . فلو نظرت هذه القوّة إلى تلك الأجزاء لكان الوضع على خلاف ما ذكرنا ، ولما استرسلت قوّة الشّهوة وحدها في كلّ أعمالها ، بل لوجدت لها سانحة لتنظر ، بما في وسعها ، إلى الأجزاء الأخرى من النّفس . / هذا فضلا على أنّ سوء الحال في الجسد قد يكون غالب الأحيان ما نسمّيه رذيلة القوّة الشّهوانيّة ، فتصبح فضيلتها ما كان على خلافه بحيث أنّه لا يلحق بالنّفس شيء من كلتا الحالتين .