هذا وإنّ القصص الأسطوريّ لا بدّ له ، ما دام قصصا أسطوريّا ، من أن يوزّع في الزّمن مادّة رواياته . يتناول الكثير من الأمور ويفصل بعضها عن بعض / في حين أنّها موجودة معا على أنّها كلّ ، لا تمايز فيها إلّا بالرّتبة والقوى . وقد يحصل هذا بالذّات في أبحاثنا حيث نتصوّر الشّيء متولّدا وهو ليس متولّدا ، وحيث نعزل بعض ما هو موجود كلّا معا عن بعضه الآخر . فإذا ما أدّت الأسطورة ما في وسعها أن تؤدّيه من التّعاليم ، أتاحت عند ذاك للبصير العاقل أن يجمع وينسّق بين ما وصل إليه . والتّأليف هنا على نحو ما يلي : إنّ النّفس مرتبطة بالرّوح ومنه تستمدّ قوامها . ثمّ إنّها مفعمة بالمعاني البذريّة / وهي في حلاها حسن على حسن ، تفيض بالرّفاهة من حيث إنّها آنذاك منظر كثرت فيه المبهجات وصور كلّ ما ينطوي الكون عليه من مفاتن . تلك هي « افروديتس » برمّتها . إنّ ما تحتوي عليه من معان بذريّة عندئذ ، هو الرّفاهة و « پوروس » ( الرّخاء ) / وقد همى عليه من عل كوثر العالم الأعلى . ثمّ إنّ المبهجات الّتي فيها كأنّها منبسطة في الحياة وهي لها فراش ، فتلك هي جنّة « زوس » بأوصافها ، حيث ينام « پوروس » ( الرّخاء ) وقد أثقله الشّرب ومنه انتشى . وإذا ظهرت الحياة آنذاك وقام بها الوجود في بقائه الدّائم ، قيل في الآلهة أنّهم في الولائم مستغرقون كناية عن أنّهم في السّعادة راتعون ما دامت الحال على ما ذكرنا . فالحبّ ثابت كذلك دائما بحكم الضّرورة : من النّفس ينبعث ما دامت هي تنزع إلى الخير والأفضل ، / وهو لم يزل ما دامت النّفس لم تزل . وهو مزيج : فيه شيء من العوز يدفعه إلى التماس الشّبع ، وليس بدون حظّ من الرّفاهة إذ أنّ ما يسعى إليه إنّما هو المزيد لما لديه . فلو لم يكن له من الخير شيء لما جدّ قطّ في طلب الخير . يقال عنه أنّه من « پوروس » ( الرّخاء ) و « پينيا » ( الحاجة ) إذا ، / بمعنى أنّ في النّفس العوز والرّغبة اجتمعت إليهما الذكرى بالمعاني البذريّة ، فتولّدت من ذلك الطّاقة على العمل وهي مسدّدة نحو الخير . هذا هو « الحبّ » . كانت « پينيا » ( الحاجة ) أمّه لأنّ الرّغبة في جانب المحتاج دائما . ولكن « پينيا » ( الحاجة ) هي الهيولى لأنّ الهيولى هي الحاجة إلى كلّ شيء . فضلا على أنّ الرّغبة في الخير رغبة عمياء ، ما دام / الرّاغب في الخير هو كذلك لأنّه خال من الصّورة ومن المعنى البذريّ . وهذا ما يزيد الرّاغب من حيث هو راغب ، تشبّها بالهيولى . هذا وإنّ الخير بالنّسبة إلى ما يرغب فيه إنّما هو مثال ثابت في ذاته قائم على حياله . وما دام الشّيء الّذي يرغب متهيئا لما من شأنه أن يتلقّاه ، فإنّه حينئذ يحضّر ، بوجه ما هيولى / تتلقّى ما يقبل عليه . وإذا كان ذلك كذلك ، كان الحبّ أمرا هيولانيّا إذا ، وهو جنيّ ينشأ في النّفس وينبعث منها بقدر ما هي في حاجة إلى الخير وبقدر ما هي راغبة فيه .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 241
مساهمون: أفلوطين
ص٢٤١