النّفس الكلّيّة أن تكفي الكلّ حاجته ، وهي تفعل بوضعها قوى من نوع الجنّ / تكون منسجمة مع العمل الكلّيّ الّذي تقوم به هي . ولكن كيف يشركون في الهيولى ، وما هي الهيولى الّتي يشركون فيها ؟ فإنّهم لا يشركون في الهيولى الجسمانيّة ، وإلّا لكانوا أحياء يدركون بالحواسّ . وإذا افترضناهم بارزين في أجسام هوائيّة أو ناريّة ، فينبغي أوّلا في طبائعهم أن تثبت في ما يميّزها عن سواها حتّى تشرك بعد ذلك في الأجسام . فإنّ ما كان في مطلق / الطّهارة لا يمتزج بالجسم امتزاجا مباشرا ، ولو ذهب بعضهم إلى أنّ للجنيّ ، شيئا جسمانيّا هو نار أو هواء ، من حيث كونه جنيّا . وإذا كان ذلك كذلك ، فلما ذا يخالط الجنيّ الجسم في حال ، ولا يخالطه في حال أخرى ؟ أليس للامتزاج إذا تمّ آنذاك / سبب ؟ لا بدّ لنا إذا من التّسليم بوجود هيولى روحانيّة ، فإذا أشرك فيها الشّيء تيسّر له بوساطتها أن يتّصل بهيولى الأجسام .
7 ولذلك يقول أفلاطون في روايته لولادة « ايروس » ( الحبّ ) أن « پورس » ( الرّخاء ) « كان في حال السّكر بعد شربه من الكوثر إذ لم تكن الخمرة معروفة بعد » آنذاك . وعلى ذلك تمّت ولادة « ايروس » قبل وجود الحسّيّات ، فكانت « پينيا » ( الحاجة ) مشتركة في حقيقة الرّوح . ولا يعني ذلك أنّ إشراكها هو إشراك في أثر روحانيّ ، / أو في ظاهرة تشكّلت في عالم الرّوح ثمّ انبعثت منه ، بل يعني أنّها مقيمة في الملأ الرّوحانيّ حقّا . ثمّ إنّها تجمّع هنالك فيها بين ما هو كأنّه مثال متّسق بارزة معالمه من ناحية ، وما هو فقدان التّناسق وفقدان بروز المعالم من الأخرى . وهذا أمر يحصل للنّفس قبل أن تحظى بما هو خيرها ، فتحسّ بأنّ لديها منه شيئا على طراز التّصوّر المبهم الغامض الّذي لا ضابط له ولا حدّ . فإذا كانت « پينيا » ( الحاجة ) على هذه الحال ولدت « ايروس » القائم بذاته ، فإنّ العقل يصبح حينئذ في ما ليس عقلا ، بل نزعة عمياء ووجودا مغشي الجوانب ، فيحدث / شيئا ناقصا عاجزا في حالة المحتاج . ولا غرو وهو وليد نزعة في تيه وعقل في كماله . وليس « ايروس » ( الحبّ ) هذا عقلا صافيا ، ما دام فيه رغبة هو جاء لا يهديها هدي ولا يضبطها ضابط . وهو لن يعرفنّ شبعا ما دام فيه الحرمان بالذّات من الأحكام والاتّساق . نعم لا يزال مرتبطا / بالنّفس إذ إنّه منها خرج وهي أصله . ولكنّه مزيج نتج عن عقل لم يبق في ذاته بل خالط الحرمان من الإحكام والاتّساق ؛ ولم تكن هذه المخالطة تبادرا منه ، بل تبادرا ممّا منه خرج . ها هو ذا « ايروس » إذا وكأنّه لسعة لا تقضى نهمتها وذلك في فطرته وجبلّته ؛ ومهما يصب لا يلبث نهمه أن يعاوده . / ليس الشّبع من طبعه لأنّه ليس من طبع المزيج ، ولا يشبع حقّا إلّا ما يكون له من ذاته الكفاية بما لديه . أمّا « ايروس » ( الحبّ ) فإنّ العوز فيه ومعه دائما ، فلا يزال يرغب ، وهو لا يظلّ شبعان حتّى ولو أصاب من الشّبع خلاقا . وغاية ما يقال فيه أن لا حيلة له من حاجته ، وقد أوتي أوسع الحيل من العقل الّذي هو فيه . / كذلك يجب
تاسوعات أفلوطين — صفحة 238
مساهمون: أفلوطين
ص٢٣٨