فلما ذا يكون هو العالم ثمّ لا يكون الجنّ الآخرون كذلك ، مع أنّه لا ريب في أنّهم كلّهم من ذات واحدة ؟ وهذا يعود إلى القول بأنّ بنية العالم مؤلّفة من جنّيين ! وبعد ، كيف يكون العالم ذلك الموصوف بأنّه أقيم « حارسا على الأطفال الحسان » . فضلا على أنّ أفلاطون يصف « ايروس » بأنّه « ليس له سرير ولا حذاء ولا دار » . / أوليس في تطبيق ذلك على العالم تكلّف وغرابة ؟
6 ولكن ما عسى أن نقول في « ايروس » وفي ما نسمّيه ولادته ؟ واضح بأنّه لا بدّ من أن ندرك أوّلا ما هي « پينيا » ( الحاجة ) وما هو « پوروس » ( الرّخاء ) وكيف يصحّ القول فيهما أنهما أبوان . وواضح أيضا انّه لا بدّ من أن يكون الأمر كذلك فيهما مع سائر الجنّيين ما دام لهم من حيث كونهم جنّيين حقيقة واحدة وذات واحدة ، / وإلّا لما كان بينهم إلّا الاشتراك بالتّسمية .
فلنتبيّن إذا كيف عسى أن نميّز الأرباب عن الجنّيين . نعم طالما نذكر الجنيّين على أنّهم أرباب ، لكنّنا نقصد هنا على الأقل الحال الّتي فيها نذكر كلّا من الطّرفين مختلفا جنسه عن الآخر . أمّا جنس الأرباب فإنّا نقول فيه معتقدين أنّه ليس للانفعال سبيل إليه في حين أنّنا ننسب إلى الجنّ / الانفعال . ندّعي في الجنيّ أنّه قديم ، يأتي بعد الرّبّ فورا ، وهو في جانبنا قائم بين الأرباب والأنس . فكيف لم يبقوا بدون انفعال ، وكيف انحطّوا في كيانهم وأصبحوا في جانب العالم الأسفل ؟ فضلا على أنّه يجدر بنا السّؤال أيضا فيما إذا لم يكن قطّ في العالم الرّوحانيّ جنيّ ، فلا وجود / للجنّ إلّا في هذا العالم الحسّيّ ، ولا يتخطّى الرّبّ حدود العالم الرّوحانيّ . أو « إنّ في عالمنا أربابا أيضا » ، بل إنّ عالمنا ربّ هو الربّ الثّالث كما جرت بقوله العادة ، وإنّ الكواكب في السّماء كلّ منها ربّ حتّى القمر ذاته . إنّ القول الأصحّ في كلّ ذلك هو أنّه ليس في العالم الرّوحانيّ جنّ ، بل إذا وجد جنّي بمعنى أنّه أصل مثاليّ قائم بذاته ، فإنّما هو ربّ حينذاك . / كما وإنّنا نرى ، من ناحية أخرى ، أنّ أرباب العالم الحسّيّ المنظورين والقمر معهم إنّما هم أرباب من المقام الثّاني . هم بعد الأرباب الرّوحانيّين فبهم يتكيّفون وإليهم يرجعون ، وهم منهم بمنزلة الإشعاع حول الكوكب الجزئيّ . والجنيّون ، ما ذا نقول فيهم ؟ أنقول في الجنيّ أنّه الأثر الّذي ينبعث من النّفس إذا أصبحت النّفس في العالم ؟ ولما ذا نقول ذلك في النّفس الّتي أصبحت في / العالم فقط ؟ - لأنّ النّفس الطّاهرة تلد ربّا ، وقد وصفنا « حبّها » بأنّه ربّ .
ولكن لما ذا لا يكون كلّ جنيّ « ايروسا » ( حبّا ) ؟ هذا أوّلا . وثانيا لما ذا لا يكون هؤلاء الجنيّون براء من الهيولى هم أيضا ؟ - إلّا أن « ايروس » ( الحبّ ) هو كلّ مولود من النّفس إذا رغبت في الحسن والخير ، / وكلّ نفس في العالم الحسّيّ تلد مثل هذا الجنيّ . أمّا ما عدا ذلك من الجنّ ، فإنّهم من نفس العالم الكلّيّ طبعا ، ولكنّها تلدهم بفعل قوى أخرى ووفقا لما يقتضيه صلاح الكون الكلّيّ ، فيساعدونه على تكميل الجزئيّات وتدبير أمورها . ذلك لأنّه يجب في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 237
مساهمون: أفلوطين
ص٢٣٧