تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الأصليّ الّذي يبعث عندهم حبّهم لما من الحسن لديهم . فإذا تجاوزوه إلى تذكّر ذلك الحسن الأشرف أحبّوا الحسن الدّنيويّ على أنّه أثر . وإن جهلوا الانفعال الّذي يتمّ فيهم / ولم يذكروا ، خيّل إليهم أنّ حسن هذه الدّنيا هو الحسن حقّا . مع أنّهم إذا تعفّفوا كان انحرافهم إلى الحسن الدّنيويّ بريئا ، إذ أنّ الذّنب الكبير هو الانغماس في اللذّة الشّهوانيّة . فالّذي يكون حبّه للحسن هكذا طاهرا ، غدا الحسن حبّه الأوحد ذاكرا كان أو غير ذاكر . أمّا من جمع بين هذا الحبّ وبين الشّوق إلى الخلود ، / بقدر ما بوسع الفاني أن يتوافر لديه من هذا الشّوق ، فإنّه يطلب الحسن في الموجود الدّائم الباقي . وما دام يسير السّير الموافق للطّبيعة ، فإنّه في الحسن يذرأ وفي الحسن يلد : يذرأ ضمانا للبقاء ، ويزرع في الحسن لما بين البقاء والحسن من أواصر القربى . فإنّ البقاء والحسن متجانسان ، وإنّ الأمور الباقية هي الحسن في أصله ، / وكلّ ما يصدر عنها حسن . أمّا ما كان فيه نزعة إلى أن يحدث حسنا ، إنّما يريد ذلك عن حاجة وعدم اكتفاء ؛ فإن قام بعمله ظنّ أنّه نال غايته إذا تمّ له أن يلد في الحسن . هذا وإنّ الّذين يريدون أن يلدوا بغير ما ترضاه الشّريعة والطّبيعة / ، فهم مع الطّبيعة في مستهلّ الطّريق . لكنّهم لا يلبثون أن يخرجوا عن الاستقامة وكأنّهم ينحرفون عن الجادّة ، فتزلّ بهم القدم وينكبون على وجوههم في الحضيض . فإنّهم يجهلون ما يسوقهم الحبّ إليه ، كما أنّهم يجهلون الرّغبة في الولادة وكيف يستخدمون آثار الحسن ، ولا علم لديهم بما هو الحسن ذاته . هذا ولنعد إلى موضوعنا . / إنّ بعض النّاس يحبّون إذا الأجساد الحسنة ويتتبّعون الحسن فيها حتّى عن طريق الجماع ، وذلك لأنّهم يحبّون الحسن . وإنّ عند بعضهم الحبّ المعروف بالنّكاح ، أعني حبّ النّساء الّذي يقصد منه حفظ النّسل ، ولا يحيدون به إلى غيرهنّ . فهؤلاء خير من أولئك ، على أنّ التّعفّف مكفول لدى كلا الطّرفين . فالأوّلون يخصّون بإجلالهم حسن هذه الدّنيا ويجدون فيه الكفاية . / أمّا أهل الفئة الثّانية فإنّ الّذين يذكرون منهم يجلّون الحسن الأعظم ولا يبخسون الحسن الدّنيويّ حقّه فينزلونه من الحسن الأوّل منزلة الأثر النّاتج عنه ويتّخذونه الهوّة يلهون بها . كلّ هؤلاء النّاس يسعون وراء الحسن بدون عيب إذا . وقد يؤدّي الحسن بغيرهم إلى الهويّ في القبائح ، لأنّ الرّغبة في الخير كثيرا ما تكون عاقبتها السّقوط في الشّرّ . هذا وحسبنا ذلك قولا في الحبّ من حيث كونه انفعالا في النّفس . / 2 أمّا الحبّ من حيث أنّه إله ، فإنّه كذلك يتصوّره ليس العوامّ فقط ، بل اللاهوتيّون وأفلاطون أيضا . فإنّ « أفلاطون يذكر « ايروس » ( الحبّ ) غير مرّة على أنّه « ولد أفروديتس » وعلى أنّ وظيفته « حراسة الأطفال الحسّان » « وتحريك النّفس إلى الحسن في الملأ الأعلى » ؛ أو أنّه يقوّي / الرّغبة في هذا الحسن عند من كان متوافرا لديهم . فلا بدّ من الاهتمام الخاصّ إذا