هذا ولنعد إلى ذلك الجنيّ الّذي نحن في صدده . قيل إنّه إذا ساق النّفس إلى مقام الأموات لا يبقى هو هو ، ما لم تعد النّفس وتختر لها نوع الحياة الّتي كانت عليه . ولكن ما ذا يكون من أمره قبل ذلك ؟ إنّ سوقه النّفس إلى حيث تدان يعني أن يعود ، بعد أن ألقت النّفس حياتها عنها ، إلى الوضع الّذي كان عليه قبل ولادة النّفس . فيصبح وكأنّه دخل في دور جديد ويبقى في جوانب النّفوس اللواتي / ينزل بهنّ العقاب ريثما يحين وقت الولادة الثّانية . على أنّ هذه الفترة ليست فترة حياة في حقّهنّ ، بل فترة تكفير .
وما عسى أن يكون من النّفوس اللواتي دخلن أجسادا بهيميّة ؟ أيكون سائقهنّ أقلّ شأنا من الجنيّ ؟ - بل يكون على الأقلّ رديئا أو بليدا - والنّفوس اللواتي انتهين إلى الملأ الأعلى ؟ إنّ بينهنّ نفوسا يحللن في العالم الحسّيّ ، وأخرى يكنّ خارج هذا العالم . واللواتي ينزلن في العالم الحسّيّ ، / فمقامهنّ الشّمس أو كوكب آخر من الكواكب ، ولبعضهنّ أفلاك السّماء الثّابتة : فلكلّ منهنّ بحسب ما كان عملها منسجما مع العقل في هذه الحياة . ذلك لأنّ الأمر الّذي يجب أن نسلّم به هو أن في نفسنا أيضا عالما . ولا يعني ذلك أن فيها عالما روحانيّا فقط ، بل أنّ فيها حالة روحانيّة أيضا هي أشبه بما هي النّفس الكلّيّة عليه . فإنّ هذه النّفس تتوزّع في فلك الكواكب الثّابت وأفلاك الكواكب السّيّارة / تبعا للقوى المختلفة الّتي فيها . ثمّ إنّ القوى الّتي تنبعث منّا هي من نوع قوى النّفس الكلّيّة ، ولكلّ منها عمله الخاصّ . فإذا عتقت النّفس سارت في السّماء إلى الكوكب الّذي يلائم الخلق والقوّة اللذين بهما عملت وتصرّفت في حياتها . فيقيّد لها عند ذلك قرينا ، يكون إلها أو جنيّا ، وهو ذلك الكوكب ذاته أو / أشدّ منه قوّة .
ولكن هذا أمر يحتاج إلى زيادة تدقيق في النّظر .
أمّا النّفوس اللواتي خرجن من العالم الحسّيّ ، فإنّهنّ تجاوزن حدود عالم الجنّ وحتميّة التولّد كلّها ، وأصبحن ، بوجه الإجمال ، خارج كلّ ما في هذا العالم المنظور . وما دامت النّفس في هذا المقام ، فإن ذاتها المائلة إلى الانسلاك في الصيرورة قد ارتفعت معها هي أيضا .
وهذه هي الذات الّتي إذا قلنا عنها إنّها / « تصير مقسّمة في الأجسام » إنّها مع الأجسام تتكاثر وبالأجسام تتقسّم ، كان قولنا قولا صوابا . أجل ، إنّها لتتقسّم ، ولكن ليس بالكمّ . فإنّ ما هي عليه هو هو كلّا في كلّ جزء من الأجزاء ، وهو بعد ذلك ودائما واحد . ولأنّها مقسّمة على نحو ما وصفنا ، نرى أنّه من الحيوان الواحد تتولّد حيوانات كثيرة . وكذلك الأمر أيضا في عالم النّبات ؛ / فإنّ النّفس النّباتيّة هي أيضا مقسّمة في الأجسام » . هذا وإنّ النّفس قد تولّد تلك الأشياء الكثيرة وهي باقية في الجسم الواحد ، كما تفعل وهي في النّبات . كما وإنّها قد تولّد تلك الأشياء إذا انسحبت ، على أنّها تكون قد ولّدت قبل انسحابها . مثل ذلك مثل ما يتمّ في مسائل النّبات أو في جثّة الحيوان عند فسادها ، فتتولّد من الشّيء الواحد / أشياء كثيرة ، وتساعد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 230
مساهمون: أفلوطين
ص٢٣٠