الفصل الخامس ( 50 ) في الحبّ
1 إنّ مسألة جديرة بالبحث : هل الحبّ إله أو جنّي أو انفعال في النّفس ؟ هل هو إله أو جنّي من ناحية ، ومن ناحية أخرى انفعال في النّفس ؟ علينا أن نذكر آراء العامّة وما ورد عند الفلاسفة حول هذا الموضوع . هذا وإنّنا نصرف اهتماما خاصّا لما يتبنّاه في هذا الصّدد / أفلاطون الإلهيّ الّذي دوّن في الكثير من مؤلّفاته الكثير من آرائه في الحبّ . فإنّه يقول إنّ الحبّ ليس انفعالا يحدث في النّفس فقط ، بل يذكره على أنّه جنّي أيضا ويستفيض في القول عن ولادته كيف تتمّ وما هو أصلها ؛ أمّا الانفعال الّذي ننسبه إلى الحبّ ، / فهو لدى نفوس ترغب في الاتّصال بجمال ما . والواقع في هذه الرّغبة هو أنّها تكون تارة لدى عفّ تمّ له الوصول إلى الحسن في ذاته ، وطورا لدى من يحاول إشباعها بارتكاب القبيح . وهذا أمر لا يجهله أحد .
فالوجه أن ننطلق من هنا لنتبيّن فلسفيّا الأصل الّذي منه ينبعث الحبّ في شكليه المذكورين . /
وإذا سلّمنا بأنّ هذا الأصل إنّما هو في نفوسنا ، رغبة سالفة في الحسن ذاته ومعرفة له وتجانس معه ، وشعور غريزيّ بالأواصر الخاصّة الّتي تجمع بيننا وبينه ، فإنّنا ، فيما أظن ، نكون قد أدركنا السّبب في حقيقته . ذلك لأنّ القبح مع الطّبيعة على طرفي نقيض ، وهو كذلك مع اللّه أيضا . ثمّ إنّ / الطّبيعة تفعل فعلها وهي تنظر إلى الحسن ، وإنّها لتوجّه وجهها نحو الشّيء المعيّن الّذي لا يكون إلّا « في جانب الخير » . أمّا الشّيء المبهم ، فهو قبيح وهو في الجانب الآخر . علاوة على أنّ الأصل للطّبيعة إنّما هو من الملأ الأعلى ، أعني من عالم الخير طبعا ، وهو عالم الحسن أيضا . ثمّ إنّ المعجب بشيء وهو يجانسه ، يتودّد إلى آثار ذلك الشّيء أيضا . / وإذا نفينا هذا السّبب لم يبق لدينا ما نعلّل به كيف يحدث الانفعال وما هي مجاريه ، حتّى في حال الحبّ الّذي يتمّ عن طريق المجامعة ، فإنّ أصحاب هذا النّوع من الحبّ إنّما يريدون أن « يلدوا في الحسن » .
والسّفاهة في أن تريد الطّبيعة أن « تلد في القبح » وهي السّاعية / دائما إلى أن تحدث الحسن على مختلف وجوهه . لكنّ الّذين يدفعون إلى الولادة بهذا النّوع من الحبّ يجدون بالحسن الدّنيويّ كفايتهم ، وهو حسن قائم في الآثار والأجساد . وهم كذلك لأنّه ليس بين أيديهم ذلك الحسن