أين هو ؟ وما دامت الأشياء كلّها في حسن الحال ، فأين المجال لمن يعامل بالظّلم ويرتكب الذّنوب ؟ بل كيف تجد الأشقياء في الأرض ما دام ليس من يأتي يظلم أو يرتكب ذنبا ؟ كيف نحكم في الأمور بأنّ منها ما يوافق الطّبع / ومنها ما ينافيه ما دامت المحدثات كلّها وفقا لما تقتضيه الطّبيعة ؟ أين التّجديف ، مهما كان نوعه ، على العالم الإلهيّ ، إذا كان هذا العالم على نحو ما وصفنا ؟ فكأنّ شاعرا نظم مأساة جعل فيها من كان دوره التّوجّه بالشّتيمة إلى مؤلّف المأساة نفسه . فلنعد إذا إلى بدء / ما نحن فيه ولنوضح ما هو العقل وكيف يليق به أن يكون في ما هو عليه . - ألا فحرّي بنا البحث في الأمر ، لربّما كنّا من المسعدين حظّا - أقول : إنّ هذا العقل إذا ليس روحا خالصا وليس الرّوح في حدّ ذاته . ثمّ إنّه ليس من جنس النّفس الطاهرة ولو كان مرتبطا بها ، بل كأنّه إشعاع ينبعث من الطّرفين ، طرف الرّوح وطرف / النّفس ، ما دامت النّفس في الوضع الّذي يستلزمه الرّوح . فإنّ الرّوح والنّفس معا يولّدان ذلك العقل على أنّه حياة تنطوي على سرّ تنبني منه ساكنة مطمئنّة ، وكلّ حياة إنّما هي قيام بعمل ، حتّى ولو خسّ شأنها ؛ ولكنّه ليس عملا كالّذي تقوم به النّار ، بل إنّ قيام الحياة بعملها ، وإن لم يصحبه إدراك ، إنّما هو حركة ما ولا يقع اتّفاقا . فأقلّ ما يقال في الأمر هنا هو أنّ ما ليس فيه إدراك / وله حظّ ما من الحياة ، مهما كان نوعه ، يسبك في العقل على الفور ، أعني أنّه يضبط بصورة تعمّره . ولا غرو ، ما دام لعمل الحياة طاقة على أن يعمّر بالصّورة ، وما دامت الحياة ، إذا تحرّكت ، تتحرّك بحيث تلابسها الصّورة . إنّ عمل الحياة هو عمل فنيّ إذا ، مثلما يتمّ لمن يتحرّك راقصا ؛ فإنّ الرّاقص يشبه الحياة الّتي تنبسط هكذا بفنّ ، / وإذا حرّكه الفنّ سيّره بحيث تكون الحياة نفسها على نحو ما هو عليه بوجه ما . هذا ويتّخذ قولنا هنا دلالة على كيف يجب أن نتصوّر الحياة مهما كان نوعها . فإنّ العقل إذا من الرّوح الواحد ومن الحياة الواحدة ، وكلاهما كامل في كيانه . إلّا أنّه ، وهو عقل ، ليس حياة ذات وحدة أو روحا ما ذا وحدة ، / وليس أيضا كامل البنيان من كلّ وجه . فإذا أمدّ الأشياء الّتي يمدّها ، لم يمدّها بذاته كلّه كما إنّه لا يمدّ بهذا الذّات على أنّه كلّ شيء . ولكنّه ، ما دام يجعل الأجزاء يقابل بعضها بعضها الآخر ، ويخرجها ناقصة ، فإنّه بذلك / ما تقوم عليه وما منه تتولّد الحروب والمعارك ، فهو كذلك كلّ ذو وحدة إذ أنّه ليس واحدا على وجه الإطلاق . ذلك لأنّه ، على كونه في تنافر مع ذاته بسبب أجزائه ، فإنّه واحد ، متآلف بعضه مع بعض على نحو ما يتمّ في موضوع مأساة إذا حصل ؛ فإنّ موضوع المأساة واحد ولو كثرت فيه وجوه التّنافر . هذا مع العلم أنّ المأساة تسوق موادّ التّنافر إلى حيث تصبح في وضع الوحدة المنسّقة العناصر ؛ في حين أن الموضوع / آنذاك يضبط المتنافرات بشيء من التّوافق أثناء تطوّرها كلّه . أمّا التّنازع القائم بين الأجزاء المنفصلة في العالم ، فإنّما هو من أصل واحد ، وهو العقل . ومن ثمّ فإنّ الأجدر بنا أن نشبّه ما نحن فيه بالتّناسق الّذي يجمع بين المتنافرات
تاسوعات أفلوطين — صفحة 213
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٣