تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وليس الإنسان الكلّيّ من حيث كونه جزءا . ولكن إذا وجدت أجزاء وكان فيها شيء آخر ليس جزءا ، فبذلك الشّيء الآخر يكون عالمنا كلّا . هذا وإنّ ما وجد على نحو وجود الجزئيّات ، لا يفترض أن ينتهي من الكمال إلى ذروته ، وإلّا لبطل كونه جزءا . / ولا يعني ذلك أنّ الجزء إذا ازدهى وعلا شأنه ولّد عند الكلّ حسدا وأشياء ؛ فإنّ الجزء إذا ازدان وعلا شأنه زاد الكلّ حسنا وبهاء . لا بل إنّ الأجزاء لا يتمّ لها أن تصبح كذلك إلّا بأن تتشبّه بالكلّ وأن تكون بحيث كأنّها يتاح لها أن ترفع إلى تلك الرّتبة وأن تبوّأ من النّظام ذلك المحلّ . فيشعّ شيء من الإنسان حينذاك في حدود المكان الّذي يقيم فيه الإنسان ، مثلما هو الأمر من الكواكب في السّماء الرّبّانيّة . / ولعمري فإنّ مشاهدتنا من هنا تنبثق ، وكأنّها مشاهدة تمثال عظيم رائع ( سواء أكان بنفس أم كان من صنع ربّ الشّباب والجبروت ) أشعّت الكواكب ساطعة ، فمنها على وجهه ومنها على صدره ، وحيث ما من شأنه في ذلك التّمثال أن يليق موقعا لكوكب منير . 15 كذلك هو الأمر إذا من الجزئيّات إذا ما نظرنا إلى كلّ منها في حدّ ذاته ؛ وإنّ ارتباط بعضها ببعض ، ما دامت قد تولّدت وهي لن تزال تتولّد ، إنّما ينطوي على اعتراضات وصعوبات . ذلك أنّ بعض الحيوانات يفترس بعضه الآخر ، والنّاس في عداء بعضهم مع بعض والحرب دائرة / رحاها على الدّوام فلا وضع لأوزارها ولا هدنة فيها . وناهيك بالسّؤال فيما إذا كان العقل هو الّذي جعل الأمور على هذه الحال ، وفيما إذا كانت على حسن الحال وهي كذلك . فإنّه ، في مقابل هذه الأقوال ، لا يجدي الكلام الّذي سبق ذكره من أنّ حسن الحال موفّر على قدر المستطاع ، وأنّ الهيولى هي السّبب في كيان الأمور على هذا الوضع الدّنيّ . كما إنّه لا نفع / في القول أيضا بأنّ « الشّرّ لا يمكن أن يزول » ما دام ليس من بدّ للأمور أن تبقى كذلك ، وهي في حسن الحال ما دامت كذلك . هذا علاوة على أنّ الهيولى إذا أقبلت لا تكون صاحبة الأمر والنّهي ، بل إنّها أتي بها ليصبح الوضع فيما هو عليه ، بل الكلام الأصحّ هو أنّها بسبب العقل كذلك . ومن ثمّ فإنّ الأصل هو العقل ، والعقل هو الأشياء كلّها ، فتكون المحدثات وفقا لما يقتضيه هو وكذلك تنشأ وتتدرّج على وجه الإطلاق . وبعد ، فما هو إذا / معنى الحتميّة في تلك الحرب الّتي لا هوادة فيها في عالم الحيوان وبين الآدميّين ؟ أمّا ضرورة افتراس بعض الحيوانات لبعضها الآخر ، فإنّما هو تبادل قائم بين أحياء ليس في استطاعتها ، ولو لم ينحرها أحد ، أن تدوم وتبقى . فإن وجب عليها ، إذا أدركها أجلها ، أن تنصرف بحيث يكون نفع منها لغيرها ، فلما ذا ينبغي أن يستقبح ذلك في حقّها / ؟ نعم ، لما ذا هذا الاستقباح ، ما دام وقوعها فريسة تحوّلا فيها إلى طبيعة أخرى ؟ فكذلك هو الأمر في الممثّل على المسرح ، إذا قتل غيّر زيّه وعاد فدخل إلى المسرح بعد اتّخاذه مظهرا آخر ؛ إنّه لم يمت حقّا .