بين الإكرام والإذلال ، ما دمن يتمتّعنّ بالقوّة العظمى الّتي تخوّلهنّ الانسحاب على المناطق كلّها في مختلف أنواعها . فيبادرن من تلقاء ذواتهنّ إلى ملاقاة الإكرام والإذلال ، على أنّ من شأن كلّ منطقة أن تنسجم مع الطّبائع الّتي تحلّ فيها . فيتمّ للنفوس حينذاك توافقهنّ مع عقل العالم الكلّيّ ، / وتندرج كلّ نفس وفقا لما تقتضيه الحكمة ، مع الأجزاء الكونيّة الّتي حكم لها بها . مثل ذلك كمثل الوتر في القيثارة حيث يجعل كلّ وتر في مكانه الخاصّ الّذي يلائمه .
ويكون ذلك بحسب ما يستلزمه الأصل الّذي يسيّر إخراج اللحن ، وعلى نحو ما يتيسّر لذلك الوتر من إمكان في تأمين الإخراج المقصود . ذلك لأنّ الحكمة والحسن إنّما يتمّان في العالم الكلّيّ إذا انتظم كلّ جزئي في المقام الّذي ينبغي له ، على أن يرمي بصاحب الصّوت القبيح / في الظّلام ، في نهر التتر ، حيث يقتضي الحسن أن يكون الصّوت كذلك . فإنّ ما يكفل الحسن للعالم الكلّيّ ، ليس أن يكون كلّ فرد هو الشّاعر لينوس ، بل أن يكون كلّ فرد مقبلا بلحنه الخاصّ ومسهما في تحقيق التّناغم الواحد . فينبعث صوته عندئذ وهو حياة ، ولو كانت حياة ذليلة الجانب ، ضئيلة القدر ، غير كاملة . كما أنّه ليس في النّاي أيضا صوت / واحد ، بل إنّ فيه صوتا ضعيفا وصوتا شحيحا ولكلّ صوت سهمه في جملة الأنغام المتوافقة الّتي تخرج من النّاي . ذلك لأنّ النّغمة المتناسقة موزّعة على ألحان جزئيّة غير متساوية ، فلا تكون كلّها على التّساوي ، بل يكون الصّوت الواحد الّذي يتولّد منها كلّها معا ، هو هو الصّوت الكامل . وكذلك الأمر في العقل الكلّي : إنّ له وحدة وإنّه موزّع على ما ليس بعضه متساويا مع بعضه الآخر . ومن ثمّ مناطق العالم الكلّيّ المتباينة ، / الخيّرة منها والسّيئة ، فتنتظم النّفوس ، وهي غير متساوية بعضها مع بعض ، وفقا لما ليس متساويا بعضه مع بعض .
والنّاتج عن هذا الوضع هو أنّ المناطق ليست متشابهة كما أنّ النّفس لا تكون هي هي واحدة في كلّ منطقة . بل إنّ النّفوس غير متساوية وهي تلتزم مناطق يختلف بعضها عن بعضها الآخر .
ومثلما أنّك تجد الاختلافات في النّاي أو في آلة عزف أخرى مهما كان نوعها ، / وكذلك الأمر أيضا من النّفوس : فهنّ يحللن في مناطق متباين بعضها عن بعض ، يصعّد كلّ منهنّ في منطقتها ألحانا تنسجم مع منطقتها ومع العالم الكلّيّ . إن لقيامهنّ في حال الرّداءة منزلته في حسن العالم الكلّيّ ، وإنّ ما يتنافى مع طبائعهنّ يوافق الكلّ في طبيعته ، فلا ضير هنا إذا ضعف الصّوت هنالك . بل إذا كان صوتهنّ على هذا الوضع / لم يحدث قطّ نقصانا في العالم الكلّيّ ، كما إنّ الجلّاد إن وجب اللجوء إلى استعارة أخرى ، لا يحطّ من قدر المدينة المحكمة سياستها ، بالرّغم من كونه شيئا قبيحا . فإنّه لا بدّ منه في المدينة ، بل طالما تمسّ الحاجة إلى رجل مثله والحسن يقتضي وجوده في مقامه .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 216
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٦