يديه وقد أخذهم بما هم عليه في طبائعهم . وليس هو الّذي يخلق ممثّل الدّور الأفضل ثمّ ما يليه ثانيا وثالثا . إنّما يختصّ / كلّ من الممثّلين الدّور الّذي يلائمه ، فيكون بذلك قد عيّن لكلّ منهم الرّتبة الّتي يجب أن ينتظم فيها . كذلك هو الأمر في العالم أيضا ، حيث يعيّن لكلّ فرد المحلّ الّذي يليق به ، الفاضل من ناحية والرّديء من ناحية أخرى . ويأتي كلّ منهما إذا إلى المحلّ الّذي يلائمه ، وفقا لما تقتضيه طبيعته ولما يقتضيه العقل ، فيتبوّأ المقام الّذي يكون قد اختاره هو . ثمّ يقبل كلّ منهما بأقواله وأفعاله ، / فهذا يجدّف ويسيء والآخر على غير ذلك من هذا ، وما على خلافه من ذاك . على أنّ الممثّلين هنا ، إنّما كانوا قبل المأساة في ما هم عليه بطبائعهم عندما عرضوا أنفسهم للاشتراك في المأساة . أمّا في المآسي الّتي يضعها الإنسان ، فإنّ الشّاعر يوزّع الأدوار ، ويبرز الممثّلون حينئذ كلّ بما لديه ، ومن لدنه يكون تمثيله ، الحسن منه والقبيح ، / إذ أنّ عملهم لا ينتهي مع حفظهم أشعار الشّاعر . أمّا في ما هو أحرى وأحقّ بأن يكون مأساة ، والّذي يتقلّده في بعض جوانبه فقط هؤلاء الرّجال الّذين حصلت عندهم الموهبة الشّعريّة ، فإنّ النّفس هي الّتي تكون الممثّلة . وإنّها لتتلقّى أدوار تمثيلها من الشّاعر الأكبر وهو الصّانع . وكما يتلقّى الممثّلون على المسرح أقنعتهم وأزياءهم ، / الفخمة منها والبالية ، فكذلك أيضا تتلقّى النّفس ما قسّم لها ، وذلك من غير طريق البخت والاتّفاق ؛ فإنّه هو أيضا يأتيها وفقا لما يقتضيه العقل . وإذا انسجمت النّفس مع ما قسّم لها ، تمّ التّوافق بين الطّرفين واندرجت هي في تصميم المأساة وفي نظام العقل الكلّيّ . ثمّ تصبح وكأنّها تلفظ ما لديها من الأعمال والأمور الأخرى الّتي من شأنها أن تخرج بها وفقا / لما طبعت عليه ؛ وكأنّها أثناء ذلك ترفع صوتها بالإنشاد . هذا وإنّ الصّوت والموقف حسنان أو قبيحان بالطّبع . فالممثّل آنذاك يزيد في رونق الإنتاج الفنّيّ ، فيما يعتقدون ، أو أنّه يقبل على المسرح مع صوته القبيح . ولا يحدث ذلك تحوّلا في المأساة إلى غير ما هي عليه ، بل يكون الممثّل قد ظهر بما لا يلائم الموقف . فيصرفه واضع / المأساة إذ يراه غير أهل للإكرام ، وهو في ذلك على صواب من حكمه . أمّا الممثّل الأوّل فيعلي شأنه ويكرمه ويختصّه بأروع المآسي حسنا ، إذا توافر لديه منها ، في حين أنّه يدع الآخر للتّمثيل في المآسي الّتي قد تكون عنده وهي من سقط المتاع . كذلك من النّفس أيضا :
فإنّها تنسلك في قصيد هذا العالم الكلّيّ ، وتنزل فيه ذاتها جزءا من المأساة ، / مصطحبة مع ذاتها ، للقيام بدورها ، ما فطرت عليه من خير أو من شرّ . ثمّ تنتظم في مقامها إبّان دخولها وتتلقّى كلّ شيء باستثناء ما هي عليه في ذاتها وباستثناء أعمالها الخاصّة . فلا غرو إذا أصابها جزاؤها بعد ذلك ، فتعاقب أو تثاب . هذا وإنّ لتلك النّفوس القائمة بأدوارها التّمثيليّة أمورا أخرى تضاف على ما ذكرنا : فإنّهنّ يلعبن أدوارهنّ على مسرح أوسع من مسارحنا ، وإنّ الصّانع / جعلهنّ صاحبات الأمر والنّهي في العالم الكلّيّ . ثمّ إنّهنّ هنّ اللواتي يحدّدن ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 215
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٥