والموت تبدّل في الجسد إذا ، على نحو ما يتمّ لرجل الفنّ في مثلنا ، أو إنّه مع بعضهم خلع / الجسد مثلما يتأتّى للمثل إذا خرج من المسرح نهائيّا على أنّه من شأنه أن يعود بعد ذلك لتمثيل دور آخر . فأين الهول في مثل هذا التّبادل الّذي يتمّ على الحيوانات بعضها بين بعض ، وهو لعمري خير لها من احترامها الوجود أصلا ؟ فإنّ في الحرمان من الحياة عند الأوّل استحالة تأمينها عند الآخر . / بيد أنّ في العالم الكلّيّ حياة حقّا ، وهي كثيرة الوجوه ، تكفل للأشياء كلّها حياة مختلفة الأنواع ، وهي لن تزال تصنع وتخرج ألعابا حافلة بالحياة مزدهية بالحسن والرّونق . أمّا فيما يختصّ بالآدميّين ، وهم صائرون إلى الموت لا محالة ، فإنّ بعضهم يشهر الأسلحة على بعضهم الآخر ويتقاتلون بصفوف متراصّة منتظمة كأنّهم نازلون للمبارزة على رقصة السّيف والمجن . / وهذا يدلّ على أنّ أمور الإنسان الجدّيّة كلّها إنّما هي أمور صبيانيّة ، كما أنّه ينبّهنا إلى أنّه ليس في الموت هول قطّ ، وإلى أنّ الموت في الحروب والمعارك إنّما هو سلب شيء قليل من العمر الّذي يقضى في سنّ الكبر ، فيكون استعجالا في الانصراف يعقبه استعجال في العودة . أمّا إذا جرّدوا من أموالهم في حياتهم ، فإنّهم يعلمون حينئذ أنّهم لم يكونوا ليملكوا / شيئا قبل ذلك ، مع العلم أنّ الّذين غصبوهم تلك الأموال أحرى أيضا بأن يسخر منهم إذا غصبهم ما أصبح لديهم قوم آخرون ؛ وفيما لو لم يسلب مالهم ، فاحتفاظهم به شرّ أيضا من اغتصابه . كما يجري الأمر على ألواح المسرح كذلك يجب أن ننظر إلى الاغتيال والموت على اختلاف وجوهه كلّها / وإلى فتح البلدان وغزوها ؛ فكلّ هذا تغيّر في المشاهد وتغيير في الأزياء ورياء في النّوح والنّحيب . ذلك لأنّ الّذي يبدو في واقع حياتنا ليست النّفس الباطنة بل الإنسان في ظواهره وهو ظلّ . فهو الّذي ينوح ويشتكي ويمثّل الأدوار كلّها على هذا المسرح المتّسع إلى الأرض جميعها بعد أن جعل الآدميّون كلّ مكان مسرحا . / تلك هي أعمال الإنسان الّذي لم ينته من الحياة إلّا إلى دناياها وظواهرها فيجهل أنّه في لهو صبيانيّ ما دام مستسلما إلى بكائه ولو كان لبكائه ما يسوّغه . فإنّ المقابلة بالجدّ لا تجب إلّا مع الجانب الفاضل من الإنسان أثناء انصرافه إلى الأعمال الجدّيّة ، أمّا ما سوى ذلك في الإنسان إنّما هو ألعوبة ، والألعوبة تؤخذ بالجدّ عند الّذين لا يعرفون ما هو الجدّ / وعند الّذين هم أنفسهم ألاعيب . فإذا شاركهم أحد في لعبهم وأصيب بما وصفنا ، فليعلم أنّه واقع بين صبيان في لهو وقد خلع عنه ما كان ألعوبة منه . فإنّ سقراط إذا لها ، إنّما تلهو الظّواهر من سقراط . ثمّ يجب أن نذكر أيضا ما يلي : وهو أنّه لا ينبغي أن نجعل البكاء والتّشكّي / دليلا على فاجع صاب . فإنّ الصّبيان أيضا يبكون ويتشكّون ولا مصاب .
16 لكن إذا كانت هذه الأقوال صحيحة ، فأين الرّداءة بعد ذلك ؟ بل أين الظّلم ؟ والذّنب
تاسوعات أفلوطين — صفحة 212
مساهمون: أفلوطين
ص٢١٢